الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (12)

الامتحانات الإلكترونية: هل هي حل أم تعقيد جديد؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

من الورقة إلى الشاشة… هل تغير شيء؟
عندما بدأت وزارة التربية والتعليم في إدخال الامتحانات الإلكترونية ضمن منظومة الثانوية العامة، ظن البعض أننا أمام قفزة نوعية تنقل التعليم إلى عصر جديد. تخلصنا من الورق، واستخدمنا “التابلت”، وربطنا اللجان بشبكات إلكترونية، وصار التصحيح آلياً!
لكن بعد مرور سنوات على هذه التجربة، يتردد سؤال مُلح في أذهان الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين: هل جلبت لنا هذه التقنية حلاً حقيقياً، أم أنها أضافت طبقة جديدة من التوتر والتعقيد؟

أولاً: لماذا اتجهنا إلى الامتحانات الإلكترونية؟
دوافع الانتقال إلى الامتحان الرقمي لم تكن عبثية، بل انطلقت من أهداف تبدو منطقية:
• مواجهة الغش وتسريب الأسئلة عبر التحكم المركزي.
• تصحيح أكثر دقة وأقل تحيزاً من التصحيح اليدوي.
• توفير الجهد والوقت والتكلفة المرتبطة بالطباعة والنقل والتصحيح.
• دمج التكنولوجيا في منظومة التعليم، وجعل الطالب جزءاً من عالم رقمي متطور.
لكن كما أن النوايا الحسنة لا تضمن النتائج، كذلك التكنولوجيا لا تضمن الإصلاح.
ثانيًا: الواقع التقني… هشاشة خلف القناع
في الواقع، اصطدم الحلم الإلكتروني بعدة مشكلات كشفت عن هشاشة البنية التحية:
• انقطاع الإنترنت أو ضعف الشبكة في لجان كثيرة.
• سقوط السيستم أثناء الامتحان مما سبب توتراً وارتباكاً جماعياً.
• أجهزة متهالكة أو معطلة لم تُحدّث منذ سنوات.
• غياب تدريب كافٍ للطلاب والمعلمين على استخدام النظام.
وهكذا وجد الطالب نفسه يحارب جهازاً لا يعمل، أكثر مما يجيب على أسئلة تُقيّم مستواه!

م 12ثالثًا: الضغط النفسي يزداد لا ينخفض
كانت الفكرة أن التكنولوجيا تُخفف الضغط، لكنها فعلت العكس. أصبح الطالب:
• قلقًا من احتمال سقوط النظام أكثر من قلقه من صعوبة الأسئلة.
• مرهقًا من تعدد التعليمات الفنية والإجراءات الرقمية.
• مرتبكًا بين تقنيات جديدة لم يتدرب عليها كفاية، وأسئلة غير مألوفة في الصياغة.
إن تكنولوجيا بلا تهيئة نفسية وتربوية تصبح عبئًا إضافيًا، لا أداة مساعدة.
رابعًا: شكل جديد لامتحان قديم
رغم الحداثة الشكلية، بقي جوهر الامتحان كما هو:
• أسئلة تقيس الحفظ أكثر من الفهم.
• نمط موحد لجميع الطلاب مهما اختلفت قدراتهم.
• نتيجة واحدة تحدد المصير الجامعي بالكامل.
أي أننا لم نغيّر فلسفة التقييم، بل فقط غيّرنا أداة التنفيذ. وهذا مثل من يرتدي بدلة أنيقة بينما لا يزال يعاني من الحمى.
خامسًا: العدالة التقنية مفقودة
الامتحانات الإلكترونية كشفت فجوة جديدة: فجوة العدالة التكنولوجية.
ليس كل طالب يمتلك نفس القدرة على التعامل مع التابلت أو الشبكة.
بعض المدارس مجهزة، والبعض الآخر يعتمد على “الستر والغطا”.
وهكذا وُلد شكل جديد من التمييز: تمييز على أساس الاتصال والتجهيز وليس الكفاءة والتحصيل.
سادسًا: هل كان الحل في التكنولوجيا أم في تغيير المفهوم؟
بدلاً من التركيز على الوسيلة، كان الأجدى أن نعيد النظر في الغاية:
• هل هدفنا قياس الحفظ أم تحفيز التفكير؟
• هل نريد امتحاناً مركزياً قاتلاً أم تقييماً مستمراً متعدد الأبعاد؟
• هل نقيس الطالب في ساعتين من التوتر، أم في عام من التفاعل والمشروعات والمشاركة؟
إذا لم نجب عن هذه الأسئلة، فحتى الامتحان عبر الذكاء الاصطناعي لن يكون أكثر عدلاً من الامتحان الورقي!
عندما تُصبح الشاشة مرآة للأزمة
ليست المشكلة أن الامتحانات أصبحت إلكترونية، بل أن النظام نفسه لا يزال يحكم على مستقبل الطالب بورقة واحدة – أو شاشة واحدة – في زمن واحد.
التقنية ليست حلاً سحريًا، بل أداة تحتاج إلى نية إصلاح حقيقية، وبيئة عادلة، ورؤية تربوية شجاعة.
وإلا، فإننا فقط نُجمّل الأزمة… ونُحمّل الطالب عبء “التحديث الشكلي”، في حين أن جوهر التعليم لا يزال كما هو: مقعد خشبي، ودرس ممل، وسباق محموم نحو مجموع لا يُعبّر عن شيء سوى الضغط.

زر الذهاب إلى الأعلى