الهجرة وأثرها في بناء الحضارة الإسلامية

 

بقلم: أ.د. فتحية الحنفي

الخبيرة بمجمع الفقه الإسلامي الدولي – كندا
كل عام والأمة الإسلامية في أمنٍ وأمان بمناسبة العام الهجري الجديد. إن هذا الحدث التاريخي الجليل، الهجرة النبوية الشريفة، يحتل مكانة عظيمة في وجدان المسلمين، سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعي، لما يحمله من معانٍ سامية ودروس خالدة.
لقد جاءت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى يثرب – التي سُميت لاحقًا بالمدينة المنورة – بعد ما لقيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أذى واضطهاد شديدين على يد زعماء قريش.
وكانت هذه الهجرة بمثابة نقطة تحوّل مصيرية في تاريخ الأمة الإسلامية، فهي الهجرة الثالثة بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة، ثم هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعد وفاة عمّه أبي طالب وزوجته خديجة رضي الله عنها، حيث توجه صلى الله عليه وسلم طالبًا النصرة من قبيلة ثقيف، إلا أنهم خذلوه وأدموا قدميه الشريفتين، في مشهد إنساني مؤلم، تجلّت فيه أسمى معاني الصبر والثبات.
أما الهجرة إلى المدينة فكانت الهجرة الكبرى، التي شكّلت البداية الحقيقية لبناء الدولة الإسلامية الأولى، حيث تأسّست مقومات الحضارة الإسلامية من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والتي كانت نموذجًا فريدًا في التعايش والتكافل الاجتماعي، وقبول الآخر، وتعزيز روح المواطنة والتعاون.
لقد فتحت هذه المؤاخاة أبوابًا واسعة لفرص العمل، من خلال الشراكة في التجارة، والزراعة، والمهن المختلفة، مما أسهم في تحسين الوضع الاقتصادي في المدينة، وتحقيق الاستقرار المجتمعي، والتقليل من الفوارق الطبقية.
ومن أهم الدروس المستفادة من هذه المناسبة العظيمة:
* الاقتداء بسُنة النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وتقريراته، وجعلها منهاج حياة نسترشد به في تعاملاتنا اليومية.
* تعميق ثقافة التعايش المجتمعي، حيث علمتنا المؤاخاة كيف يكون حسن الجوار، وروح التعاون، والإيثار، والتراحم بين أبناء المجتمع الواحد.
* تعزيز قيم العمل والإنتاج، إذ أن الهجرة لم تكن فرارًا من الواقع، بل كانت سعيًا لبناء مستقبل أفضل، ودعوة صريحة إلى السعي والكسب الحلال، وتحقيق الاكتفاء الاقتصادي.
* الهجرة من الباطل إلى الحق، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الله الواحد الأحد، وهي دعوة متجددة للابتعاد عن المعاصي والتمسك بالحلال والفضيلة.
إننا في كل عام نعيش هذه الذكرى المجيدة، ينبغي أن نستحضر روحها، ونستلهم من معانيها ما يدفعنا نحو الإصلاح، والعمل، والتغيير، وبناء الأوطان بالعلم والعمل والإيمان.
وعليه، فإن من واجب الدعاة والمربين أن يجعلوا من الهجرة النبوية منبرًا تربويًا وإصلاحيًا، يدعون من خلاله إلى الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وغرس قيم التعايش، والمساواة، والتعاون، والعمل الجاد المثمر بين أفراد المجتمع، لبناء أمة قوية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات، وتحقيق النهضة المنشودة.
زر الذهاب إلى الأعلى