الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (10)
من أجل درجة واحدة: لماذا نخاف من الفشل؟
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
حين تتحول الدرجة إلى مصير
في بيت مصري هادئ على غير العادة، تنفجر دموع طالبة في الصف الثالث الثانوي، لأنها حصلت على ٤٩ من ٥٠ في مادة ما.
تحتضنها أمها وتقول: “ولا يهمك يا بنتي”، لكن عيناها تقولان ما لا يُقال: “كانت ممكن تبقى كلية القمة!”
ما الذي يجعل درجة واحدة فقط سببًا في الانهيار النفسي، والشعور بالذنب، والتشكيك في الذات؟
لماذا يتحول الفشل – أو حتى النقص البسيط – إلى كارثة وجودية؟
هل نحن فعلاً نُربي أبناءنا على الخوف من السقوط؟
وهل صارت الثانوية العامة معملًا لصناعة الهلع أكثر من صناعة الأمل؟
هذا المقال يفتح بابًا عميقًا عن علاقتنا المعقدة مع الفشل، ولماذا نُعظّمه حتى يغدو شبحًا يطارد أبناءنا في كل خطوة.
ماذا يعني الفشل في نظر طلاب الثانوية؟
في الواقع، ليس الفشل هو الرسوب، بل هو أي شيء أقل من التوقع الأعلى.
فالطالبة التي تحصل على ٩٧٪ قد ترى نفسها “فاشلة” إذا كانت تطمح للـ٩٩٪.
والطالب الذي يدخل كلية جيدة، لكنه لم يصل إلى “الكلية النموذجية”، قد يشعر بأنه “خسر السباق”.
الفشل هنا لا يعني العجز، بل يعني “عدم الوصول إلى الحلم المثالي”.
وهذا هو بيت الداء: نربط الكمال بالنجاح، وكل ما دونه هو سقوط.
جذور الخوف من الفشل
1- ثقافة العيب لا ثقافة المحاولة
في مجتمعاتنا، الخطأ عيب، والتجربة الفاشلة دليل ضعف.
نخجل من إعادة السنة، من التحويل بين الكليات، من إعادة المحاولة.
2- النظام التعليمي القائم على “الفرصة الوحيدة”
امتحان الثانوية العامة في صيغته التقليدية لا يترك مجالاً للتكرار، ولا لإصلاح الخطأ، ولا لاكتشاف الذات تدريجيًا.
هو امتحان مصير لا مهارة.
3- الأسر التي تُراهن بكل شيء على ابنها أو ابنتها
الأب والأم يضغطان نفسيًا دون وعي: “مستقبلك بيدك”، “مفيش غير السنة دي”، “احنا ضحينا عشانك”، “ما تضيعش الفرصة”.
فتتحول الدرجة إلى عبء عاطفي، وليس فقط تقييم أكاديمي.
4- الإعلام وقصص النجاح الخيالية
التركيز الدائم على أوائل الجمهورية، والقصص الخارقة، والتفوق المطلق، يخلق صورة مستحيلة من النجاح، ويجعل كل من سواهم “أقل”.
كيف يصنع هذا الخوف إنسانًا هشًا؟
• الطالب لا يجرؤ على المحاولة خارج المألوف، لأنه يخشى الإخفاق.
• يقلد بدل أن يُبدع، يحفظ بدل أن يسأل، يتبع بدل أن يقود.
• يرى مستقبله كخط واحد، فإن انحرف عنه قليلاً، انهار كل شيء.
• يربط بين درجته وقيمته الذاتية: “أنا فاشل لأني نقصت ٣ درجات”.
والأخطر: أننا نخلق جيلًا لا يتحمل خيبة الأمل، ولا يعرف كيف ينهض من العثرة.
هل الفشل حقًا أمر سيء؟
دعنا نعيد تعريف الفشل:
هو نتيجة مختلفة عما أردناه… لكنها تحمل درسًا، ومخرجًا، ووجهة جديدة.
الفشل هو جزء من أي رحلة تعلم حقيقية. بل إنه في كثير من التجارب الناجحة عالميًا، كان الفشل هو نقطة التحول الكبرى.
لكن نظامنا لا يرى في الفشل فرصة، بل وصمة.
كيف نحرر أبناءنا من رعب الفشل؟
1. التربية النفسية منذ الصغر
علّم أبناءك أن الخطأ ليس نهاية، بل بداية فهم أعمق
امدح المحاولة، وليس النتيجة فقط
2. كسر مركزية “السنة الواحدة”
لا بد من إصلاح النظام ليتيح مسارات متعددة، وتجارب مرنة
إعادة الفرصة يجب أن تكون حقًا لا استثناء
3. إعادة تعريف النجاح
النجاح ليس فقط كلية قمة، بل رحلة اكتشاف الذات، وتحقيق الشغف
التميز لا يعني الطب أو الهندسة، بل الإبداع في أي مجال
4. الاحتفاء بالفشل النبيل
اذكر قصص من حاولوا ولم ينجحوا، لكنهم واصلوا
اجعل أبناءك يرون أن القيمة في من يقوم بعد السقوط
هل نُربي أحلامًا أم نُراكم ضغوطًا؟
سؤال صريح:
هل التربية التي نقدمها اليوم تجعل أبناءنا يحبون الحياة ويغامرون بها، أم فقط يخشون خسارتها؟
الخوف من الفشل أكبر عائق أمام الإبداع، أمام التفكير، أمام التجديد.
ومن أجل “درجة واحدة” نخسر أحيانًا طفلًا واثقًا، أو عقلًا متسائلًا، أو قلبًا سعيدًا.
فلنُربّ أبناءنا على المحاولة، لا على الكمال.
وعلى أن الطريق الحقيقي ليس دائمًا في العلامة الكاملة، بل في الخطوة الشجاعة التالية… بعد التعثر.