الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة : كشف المستور وإعادة التفكير” (6)
الطالب تحت الحصار: ضغوط نفسية لا تُحتمل
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
مقدمة: جيل على الحافة
في لحظة صمت قصيرة بين درس وامتحان، وبين نظرة أم قلقة وصوت مدرس غاضب، يختلس الطالب أنفاسه.
هو لا يعيش فقط سنة دراسية، بل يخوض حربًا عصبية في صمت.
الثانوية العامة بالنسبة له ليست مجرد مرحلة، بل ساحة حصار نفسي مفتوح، حيث تتزاحم عليه التوقعات، والمقارنات، والمخاوف، والأسئلة المصيرية.
لكن من يسمع هذا الطالب؟
من يفهم أنه ليس آلة لحصد الدرجات، بل إنسان هش يُطلب منه أن يصمد وحده؟
في هذا المقال، نفتح الجرح المؤجل، وننصت إلى الصوت الخافت في داخل الطالب، ونحاول أن نفهم… ماذا يعني أن تكون شابًا مصريًا في سنة الثانوية العامة؟
حصار من كل اتجاه
الطالب محاصر من كل اتجاه:
1. ضغوط المجتمع: “ادخل كلية قمة عشان تبقى بني آدم”.
2. ضغوط الأسرة: “إحنا موفرين لك كل حاجة، مفيش عذر”.
3. ضغوط النظام: “خطأ واحد يضيع مستقبلك”.
4. ضغوط الأقران: “فلان بيخلص 10 ساعات مذاكرة يوميًا، وأنت؟”
5. ضغوط الذات: “أنا مش كفاية… هفشل… هخيب ظن الكل”.
إنه حصار نفسي شامل، يجعل الطالب في حالة استنفار ذهني وعاطفي، لا يهدأ فيها جسده ولا يتوقف ذهنه عن الدوران.
أعراض لا تُرى بالعين
كثير من الطلاب لا يشتكون بصوت عالٍ، لكن أجسادهم وأرواحهم تصرخ:
• أرق مزمن وعدم القدرة على النوم الطبيعي
• نوبات هلع وتعرق وتسارع ضربات القلب
• شعور دائم بالذنب والتقصير
• انعدام تقدير الذات حتى مع التفوق
• انسحاب اجتماعي من الأصدقاء والأسرة
• ميول اكتئابية قد تصل إلى أفكار سوداوية أو إيذاء النفس
كل هذا يحدث أحيانًا في صمت، ويُقابل من الكبار بجملة:
“شد حيلك، كلنا مرينا بكده”.
لكن الحقيقة أن الجيل الحالي يمر بما لم يمر به أحد من قبل:
عصر مقارنات يومية عبر وسائل التواصل،
ضغوط مادية خانقة،
ونظام تعليمي لا يرحم.
بين المطرقة والسندان
الطالب اليوم عالق بين مطرقة الحلم وسندان الواقع:
• يُطلب منه أن يحلم بكليات قمة، بينما لا يملك الوسائل العادلة لتحقيقها
• يُقارن بمن هو أغنى، وأقدر، وأهدأ
• يُحاسَب كأنه فشل في الحياة لمجرد أنه لم يجتز اختبارًا مدته ساعتين
• يُسحب منه حقه في أن يكون مراهقًا طبيعيًا، يعيش، يخطئ، يكتشف ذاته
لقد تحولت الثانوية من مرحلة تعليمية إلى امتحان للهوية والكرامة، وكأنك إن لم تنجح فيه، فلست جديرًا بأن تُحترم.
عندما ينهار الصمت
في بعض الحالات، لا يبقى الصمت صامتًا:
• طالب يلجأ إلى الطبيب النفسي، سرًا
• طالبة تتوقف عن الدراسة فجأة، بعد انهيار عصبي
• شاب يرفض الأكل، أو ينعزل، أو حتى يختفي خلف شاشة هاتفه
• وربما – لا قدّر الله – حالات انتحار نُفاجأ بها في الأخبار، ثم ننساها سريعًا
فهل نسمي هذا “ضغط طبيعي”؟
هل هذه هي “المرحلة التي يعدّينا منها الزمن”؟
أم أننا نصنع بأيدينا جيلًا مشوهًا نفسيًا، نحاسبه لاحقًا على أوجاع لم يكن له يد فيها؟
دور المدرسة الغائب
المدرسة – التي كان يجب أن تكون الحاضنة النفسية – أصبحت غائبة تمامًا:
• لا يوجد دعم نفسي أو مرشد تربوي فعّال
• لا توجد مساحة للتعبير أو التنفيس
• لا يُسمَح بالخطأ أو التعثر
• لا يُرى الطالب كإنسان، بل كمجموعة درجات في بيان تنسيق
فكيف لا يُصاب بالاختناق؟
ومن يُنقذه إن لم تفعل المؤسسة التعليمية نفسها؟
الآباء والأمهات: الحب الذي يحتاج إلى وعي
كثير من الآباء والأمهات يحبون أبناءهم حبًا عظيمًا، لكنهم يضغطون دون قصد:
• يقارنونهم بأبناء الجيران
• يتحدثون عن “الكلية الحلم” وكأنها مصير لا بد منه
• يتجاهلون الإشارات النفسية الخطيرة
• يُعلّقون قبولهم أو فخرهم بالابن على الرقم المكتوب في الشهادة
هنا، يتحول الحب إلى أداة قهر، دون أن يشعر أحد.
الحل ليس مستحيلاً
لكي نحرر الطالب من هذا الحصار، نحن بحاجة إلى تغيير في المنظور الجمعي:
1. إعادة تعريف النجاح: النجاح ليس فقط في الطب والهندسة، بل في أن يكتشف الإنسان شغفه ويحققه.
2. توفير دعم نفسي حقيقي في المدارس.
3. تشجيع الحوار الأسري دون حكم أو مقارنة.
4. إعادة تصميم نظام الامتحانات ليقيس الفهم لا الحفظ فقط.
5. تمكين الطلاب من التعبير عن أنفسهم، وخوض تجارب حياتية دون خوف من السقوط.
خلف كل رقم، إنسان
وراء كل طالب في الثانوية العامة، قلب يرتجف، وعقل يحتار، ونَفْس تُقاوم.
فلا تراه فقط رقماً في بيان التنسيق، بل إنسانًا يخوض أعمق معاركه في صمت.
لنستمع إليه.
لنخفف عنه.
ولنُعيد صياغة التجربة التعليمية بحيث تكون فرصة للحياة، لا اختبارًا للبقاء.