دكتور أشرف زيدان يكتب ” الأسلوب والأسلوبية “
دكتور أشرف إبراهيم زيدان
جامعة بور سعيد
تُعد الأسلوبية مجالًا غنيًا يعزز التفكير المنطقي والإبداعي، مع تطبيقات تمتد إلى مجالات أكاديمية أخرى كتحليل الخطاب والقراءة النقدية.
في نظرية الأدب، يُعرّف الأسلوب بأنه الاختيار الدقيق للكاتب فيما يتعلق بالكلمات، والجُمل، والفقرات، بهدف إحداث تأثير معين في القارئ. يُسهم الأسلوب في تشكيل تجربة القارئ، حيث يمكن للكاتب استخدام كلمات بسيطة وجمل مباشرة، بينما يفضل آخر استخدام مفردات معقدة وتراكيب لغوية متقدمة. رغم تشابه الموضوعات، تُحدث هذه الفروقات في الأسلوب تأثيرًا مختلفًا على القارئ.
يتشكل أسلوب الكاتب بناءً على تقنية وجهة النظر التي يعتمدها (point-of-view technique). فوجهة النظر العليمة (omniscient) تُنتج عادةً أسلوبًا معقدًا نسبيًا، بينما يُعطي أسلوب المتكلم (first-person point of view) طابعًا بسيطًا إذا كان منطوقًا، وأكثر تعقيدًا إذا كُتب. أما أسلوب الغائب (third-person point of view) فعادةً ما يكون أكثر تطورًا من مستوى ذكاء الشخصية الرئيسة.
يمكن تصنيف الأسلوب إلى ثلاثة أنواع رئيسة: بسيط، معقد، ومتوسط.
الأسلوب البسيط: يعتمد على كلمات شائعة وجمل واضحة، حتى في الحالات التي تصف مواقف معقدة. يُستخدم هذا الأسلوب غالبًا لعرض المعلومات بموضوعية دون إثارة عاطفة مباشرة، بل يترك للحقائق نفسها التأثير في القارئ. يُعد إرنست همنغواي من أبرز الكُتّاب الذين أتقنوا هذا الأسلوب.
الأسلوب المعقد: يتميز بجمل طويلة ومركبة تتضمن أفكارًا متعددة وأوصافًا مفصلة، ويُستخدم لخلق حالة شعورية معينة كالحزن أو السعادة أو الارتباك. يُعد الكاتب الأمريكي هنري جيمس من أبرز مستخدمي هذا الأسلوب.
الأسلوب المتوسط: يُوازن بين البساطة والتعقيد، ويُتيح تقديم النص بصورة محايدة أو دمج تأثيرين متناقضين. يوظف الكاتب التايلاندي الأمريكي س. ب. سومتو هذا الأسلوب في روايته “ليالي الياسمين”.
يمكن للكتّاب المزج بين أساليب متعددة في عمل واحد، مما يضفي مرونة في التعبير عن الشخصيات أو الأحداث المختلفة. على سبيل المثال، يستخدم الكاتب الأمريكي هيرمان ملفيل هذا النهج في رواية “موبي ديك”، وكذلك فعل الكاتب الأيرلندي جيمس جويس في “يوليسيس”.
الأسلوبية مجال دراسي متخصص يُعنى بدراسة وتحليل النصوص المكتوبة والمنطوقة من خلال أساليبها اللغوية والنغمية (tonal). تُولي الأسلوبية اهتمامًا بالسياق (situations or settings) الذي تُستخدم فيه اللغة، سواء كان ذلك في حوار غير رسمي بين أصدقاء أو خطاب رسمي أمام رئيس العمل.
يُستخدم التحليل الأسلوبي في الدراسات الأدبية بهدف تقييم جودة النص ومعناه. يهتم هذا التحليل بفحص النص بتفصيل دقيق، للكشف عن عناصر القوة (أو الضعف) في أسلوب الكتابة.يمكن تطبيق التحليل الأسلوبي على نصوص غير أدبية، مثل التقارير الإخبارية، والمقالات، والافتتاحيات. تُتبع في هذه الحالة منهجية مشابهة لتحليل النصوص الأدبية، مع التركيز على التفاصيل الدقيقة وأدوار الأجزاء المختلفة في النص.
الأسلوب هو الطريقة التي يُستخدم بها التعبير اللغوي، سواء في النثر أو الشعر، لنقل المعاني والأفكار. ويمكن تحليل أسلوب كاتب أو متحدث من خلال سماته الخاصة في التعبير، مثل اختيار الألفاظ، وتراكيب الجمل وقواعدها، وكثافة الصور البلاغية وأنواعها، والإيقاع والأصوات المميزة في كلامه، إلى جانب الأهداف البلاغية التي يسعى لتحقيقها والوسائل التي يعتمد عليها في ذلك.
في النظريات البلاغية التقليدية، تم تصنيف الأساليب إلى ثلاثة مستويات: الأسلوب الرفيع (أو العالي) (high/grand)، والأسلوب المتوسط، والأسلوب الدنيء (أو البسيط). وكان من الضروري، بحسب قواعد اللياقة (decorum)، أن يتناسب مستوى الأسلوب في العمل الأدبي مع الطبقة الاجتماعية للمتكلم، والسياق أو المناسبة، ونوع النص الأدبي ومكانته. من جانبه، يميز نورثروب فراي بين نوعين رئيسيين من الأسلوب: الأسلوب الديموطيقي (demotic)، الذي يُحاكي لغة الحديث اليومي من حيث الإيقاع والدلالات، والأسلوب الهيراطيقي (hieratic)، الذي يتسم باستخدام تراكيب لغوية رسمية تفصل النص الأدبي عن اللغة المتداولة. ويُضيف فراي تقسيمًا فرعيًا داخل كل من هذين النوعين، حيث يُصنّف الأساليب إلى مستويات عليا ووسطى ودنيا.
في تحليل الأسلوب، يُميز غالبًا بين نوعين من بناء الجملة، أحدهما هو الجملة الدورية (periodic)، التي تُرتب أجزاؤها أو “مكوناتها” بطريقة يُعلّق فيها اكتمال المعنى – أي إغلاق البناء النحوي – حتى نهاية الجملة. وغالبًا ما يُضفي هذا النوع من التراكيب طابعًا رسميًا أو خطابيًا على الأسلوب. في الجملة غير الدورية (أو الفضفاضة)، والتي تتسم بطابع أكثر مرونة وتلقائية في تأثيرها، تأتي مكوناتها في تسلسل مستمر، لكنها مترابطة بشكل غير محكم، إلى حد أن الجملة يمكن أن تُعد مكتملة نحويًا إذا وُضعت نقطة في مواضع معينة قبل نهايتها الفعلية.
يُطرح تمييز آخر بشكل متزايد في تحليل أسلوب النثر هو الفرق بين أسلوب المصاحبة (parataxis) والتبعية النحوية من خلال أدوات الربط (hypotaxis). فأسلوب المصاحبة يتمثل في ترتيب مكونات الجملة، أو سلسلة من الجمل الكاملة، بشكل متتالٍ دون توضيح العلاقات المنطقية أو النحوية بينها، باستثناء استخدام الرابط غير الملزم “و” (and) في أقصى الحالات. يتسم أسلوب همنغواي بتناسق واضح. ففي هذه الجملة من روايته “الشمس تشرق أيضًا” (1926)، تُربط مكوناتها باستخدام حرف العطف “و” فقط: “كان الجو معتمًا ومظلمًا، والأعمدة شاهقة، وكان هناك أناس يُصلّون، وتفوح رائحة البخور، وكانت هناك بعض المباني الضخمة الرائعة. “
أسلوب التبعية النحوية من خلال أدوات الربط هو ذلك الذي تُوضَّح فيه العلاقات الزمنية، المنطقية، والنحوية بين الجمل والعناصر من خلال استخدام أدوات ربط مثل “عندما”، “ثم”، “لأن”، و”لذلك”، أو عبر عبارات مثل “من أجل” و”ونتيجة لذلك”، أو باستخدام الجمل والعبارات الثانوية.
يُستخدم عدد كبير جدًا من المصطلحات الوصفية لتصنيف أنواع الأساليب، مثل: “البسيط” (simple)، “المزخرف” (ornate)، “المتكلّف” (florid)، “المرح” (gay)، “الرصين” (sober)، “النقي” (pure)، “المعقّد” (elaborate)، وغيرها. وتُستخدم هذه الأوصاف للإشارة إلى خصائص الأسلوب من حيث وضوحه، وزخرفته، وبنيته التعبيرية، ونغمة الخطاب التي يحملها.
تُصنَّف الأساليب أيضًا وفقًا للفترة الأدبية أو التيار الأدبي الذي تنتمي إليه، مثل “الأسلوب الميتافيزيقي” أو “أسلوب النثر في عصر عودة الملكية”، أو تبعًا لعمل أدبي مؤثر، كـ “الأسلوب التوراتي” أو “الأسلوب الإفيوي” (أسلوب أدبي إليزابيثي أنيق يتميز بالاستخدام المفرط للتوازن، والتضاد، والجناس اللفظي، بالإضافة إلى الاعتماد المتكرر على التشبيهات المستمدة من الأساطير والطبيعة)، كما يمكن تصنيفها بحسب نوع الاستخدام، مثل “الأسلوب العلمي” أو “الأسلوب الصحفي”، أو بناءً على الممارسة الأسلوبية المميزة لكاتب بعينه، مثل “الأسلوب الشكسبيري” أو “الأسلوب الملتوني” أو “الأسلوب الجونسوني” .(Johnsonese)
ميّز مؤرخو أسلوب النثر الإنجليزي، خاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بين رواج “الأسلوب السيشروي” (المسمى نسبة إلى الكاتب الروماني الشهير شيشرون)، الذي يتميز بالبناء المعقد، والجمل الدورية المطوّلة، والتي غالبًا ما تتصاعد نحو ذروة، وبين الاتجاه المعاكس الذي يمثله الأسلوبان “الأتيكي” و”السينيكاني”، اللذان يتسمان بجمل قصيرة، موجزة، حادة، ومتساوية النبر.