دكتور أشرف زيدان يواصل السلسلة الأدبية النقدية” تفكيك السرديات الكبرى في رواية “نصف مجهول” للكاتب جمال الجزيري”
دكتور أشرف إبراهيم زيدان (جامعة بور سعيد)
يفترض ليوتار أن تلاشي السرديات الكبرى يرتبط بتفكك الروابط الاجتماعية، مما يؤدي إلى تشرذم المجتمعات وتحولها إلى كيانات فردية متفرقة تعيش في حالة من الفوضى، تشبه الحركة البراونية (حالة ما بعد الحداثة 15). وبعبارة أخرى، فإن انهيار السرديات الكبرى يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي، حيث تنقسم الجماعات إلى أفراد معزولين يتحركون بلا اتجاه واضح، كما هو الحال في ظاهرة الحركة البراونية.
يشير مفهوم “السرديات الكبرى” إلى الأنظمة الفكرية الشاملة التي تمنح المجتمعات إحساسًا بالمعنى والغاية والتنظيم، مثل الأيديولوجيات الدينية، السياسية، والفلسفية. وعندما تفقد هذه السرديات سلطتها أو يتم تقويضها، يمكن أن تترتب على ذلك آثار اجتماعية عميقة. إذ يؤدي تفكك الروابط الاجتماعية إلى تآكل القيم المشتركة التي كانت تربط الأفراد بعضهم ببعض، مما يتركهم في حالة اغتراب عن مصادر الهُوية والمعنى التي كانت توفرها هذه السرديات.
أما تشبيه “الحركة البراونية”، المأخوذ من الفيزياء، فيصف الحركة العشوائية للجسيمات في سائل نتيجة للتأثيرات المستمرة وغير المتوقعة للجزيئات المحيطة. وبالمثل، فإن فقدان السرديات الكبرى يخلق حالة من التشتت والضياع، حيث يجد الأفراد أنفسهم بلا مرجعيات فكرية ثابتة، مما يعزز الشعور بالعبثية وفقدان الهدف، تمامًا كما تتحرك الجسيمات في الحركة البراونية بلا اتجاه محدد.
تتحدى رواية نصف مجهول المفاهيم التقليدية المتعلقة باللغة، والحقيقة، والسلطة، وبنية السرد، والهوية، مستخدمة تقنيات مبتكرة لتقويض المعايير السائدة وتعزيز الشعور بالغموض والتفسيرات المتعددة. ومن خلال هذه الموضوعات والأساليب، تستكشف الرواية الطبيعة المعقدة وغير المؤكدة للوجود المعاصر.
تشكل الرواية تحديًا لفكرة أن اللغة قادرة على تمثيل الواقع بدقة، إذ تتجنب تقديم تفسيرات نهائية للقضايا التي تتناولها، مفضلة ترك القارئ في حالة من عدم اليقين. وبهذا، تدعو الرواية جمهورها إلى مواجهة الغموض والشكوك والانخراط في عملية استكمال الفجوات السردية بأنفسهم.
ويعكس هذا النهج السردي دور القارئ الحديث، الذي لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل مشاركًا نشطًا في تشكيل معنى النص. إذ يتم تحفيز القراء على توظيف معارفهم وخبراتهم السابقة في سياقات جديدة، مما يعزز التفاعل الديناميكي مع العمل الأدبي. بطريقة أخرى، تجسد رواية الجزيري جوهر ما بعد الحداثة، حيث تتسم بميزة فريدة تتمثل في تبني النهايات المفتوحة وتفكيك القواعد السردية التقليدية، مما يخلق تجربة قرائية تأملية ومتعددة الأبعاد.
تستكشف نصف مجهول حدود اللغة في التعبير عن التعقيد الكامل للتجربة الإنسانية، حيث تمارس اللعب باللغة، وتوظف التلاعب بالألفاظ، وتستخدم تقنيات مثل الوصف التخييلي للفت الانتباه إلى الطابع المصطنع للسرد. كما ترفض الرواية فكرة الحقيقة المطلقة، مشيرةً إلى أن الحقيقة ذاتية وتعتمد على المنظورات الفردية.
تعتمد الرواية على تعددية الأصوات، حيث تقدم وجهات نظر متباينة، ورواة غير موثوقين، وسرديات متناقضة، مما يبرز غياب حقيقة موحدة ومقبولة عالميًا. إضافةً إلى ذلك، تتحدى الأشكال التقليدية للسلطة والبنى الهرمية، إذ تشكك في علاقات القوة الراسخة، بما في ذلك النظم الأبوية، وتسعى إلى تفكيكها. وتتمرد شخصيات الجزيري على السلطة أو تعيد تشكيل البنى الهرمية، مما يخلق سرديات تتجاوز التوقعات التقليدية.
كما تعطل الرواية البنى السردية التقليدية من خلال اتباع نهج غير خطي أو سرد مجزأ، أو حتى غياب حبكة واضحة. ويحتل مفهوم النزوح مكانة محورية في العمل، إذ يتم تفكيك الأساليب السردية التقليدية والتلاعب بالحدود بين الزمان والمكان، مما يولد شعورًا بالارتباك ويقلب توقعات القارئ.
أما على مستوى الهُوية، فتتناول الرواية طبيعتها السائلة والمجزأة، حيث تمتلك الشخصيات هُويات متغيرة أو متعددة، وغالبًا ما يتم طمس الحدود بين الذات والآخر، في انعكاس لتعقيد الهوية المعاصرة وعدم استقرارها. وبذلك، تشجع الرواية على التفسيرات المتعددة، مستندة إلى الغموض، والسخرية، والمفارقة، لدفع القراء إلى التفاعل النشط مع النص.
يعزز هذا التعدد في وجهات النظر فكرة أن المعنى ليس ثابتًا، بل يتغير وفقًا للمنظور الفردي. كما يقول بودريار: “لم يعد هناك أمل في المعنى. ولا شك أن هذا أمر جيد: المعنى فانٍ. المظاهر، هي، خالدة، غير قابلة للضعف أمام العدمية. هنا يبدأ الإغواء” (بودريار 157).
في نصف مجهول، يظهر الراوي كشخصية غير موثوقة إلى حد كبير، إذ يواجه حالة من عدم اليقين المستمر بشأن طبيعة تجاربه، متسائلًا عمّا إذا كانت حقيقية أم مجرد أحلام. كما تظل هويته غامضة، حيث تُطلق عليه والدته أسماء متعددة، مثل رائد وشريف، بينما يناديه رفيق سفره إلى مصر وصعيدها باسم حسن. ولا يقتصر ارتباكه على هويته، بل يمتد إلى موقعه الجغرافي، إذ يجد نفسه متسائلًا عمّا إذا كان في مصر أم شرقطون.
ومن أبرز الأمثلة على ارتباكه، عندما تطلب منه السلطات بطاقة إقامة داخل بلده، مما يدفعه إلى التأمل في عبثية أن يُطلب منه إثبات حقه في الإقامة في وطنه (الرواية 33-34). ويؤدي هذا الوضع إلى تصاعد شكوكه حول حالته العقلية، حيث يعبر عن مخاوفه بشأن سلامته الذهنية (الرواية 167).
وعلى عكس الحداثيين، الذين غالبًا ما يرون في تشرذم الواقع مشكلة ويحاولون إرساء النظام من خلال الفن باعتباره مصدرًا للمعنى وسط فوضى العالم، تتبنى ما بعد الحداثة نهجًا مختلفًا تمامًا. فهي تتقبل التشرذم باعتباره سمة جوهرية للوجود، وتوظفه لخلق سرديات مليئة بالفكاهة، تعكس وتستكشف الفوضى الكامنة في الحياة. ولا تسعى الرواية إلى تقديم سرد شامل أو “عظيم”، بل تسلط الضوء على أزمة الهوية والاعتقاد، مما يقوض فكرة التطور البشري الخطي، وهو ما يتجلى بوضوح في رواية الدراسة.
يلعب رياض الغزلاني دورًا محوريًا في الرواية، حيث يرافق الراوي منذ بداية القصة ويظل شاهدًا على عدم موثوقية سرده. يبرز الغزلاني غياب الحقائق الثابتة وكثرة الفجوات السردية، مما يتيح للقراء فرصة للمقارنة بين المصريين وسكان شرقطون. بل إنه يتولى أحيانًا دور الراوي، مما يرمز إلى غياب الراوي العليم الذي يمتلك معرفة شاملة، ويعزز بذلك طبيعة السرد غير المؤكدة والمتعددة الأصوات:
لا أعرف كيف أصف لك الوضع يا أم شريف، مع أنني لا أنسى كثيرًا. كنتُ في شرقطون، وكان شخص بيني وبينه عداوة قديمة يحاول أن يجعلني أفعل ما يمكّنه من أن يوشي بي لدى رؤسائي في العمل وصولًا إلى صاحب المقام. كما أنَّ شخصًا سرقَ سيارةَ شريف حاول أن يلفّق لي قضية قتل لأنني حاولتُ أن أساعد شريف في الوصول إلى سيارته، مع أن ذلك الشخص مطلوب في قضية إرهاب. وعندما تكلمتُ مع رئيسي المباشر مباشرةً، نصحني بأن أبتعد قليلا، لأن العصبيات لا ينفع معها القانون أحيانًا، ولأن الذين لا يؤمنون بفكرة الوطن يجيدون التمثيل. ولذلك أخذتُ إجازة من عملي وجئتُ إلى مصر، وقابلتُ الدكتور شريف بالصدفة على إحدى المقاهي بالجيزة، ولا أعرف كيف جئتُ إلى مصر، كما أنني لا أعرف لماذا طلبتُ منه أن نجيء إلى هنا لتناول الغداء، مع أننا كان بإمكاننا أن نتغدى سويًّا في الجيزة. ولكنني أشعر بحلقة مفقودة في ذاكرتي، وأعترف بأن معظم كلامي معكما فيما قبل كان محاولة مني لتعويض هذه الحلقة المفقودة، أي أن معظم كلامي لم يكن ينبع مني أو لا يمثل كلامي الذي كنتُ سأقوله لو كنتُ قد عثرتُ على هذه الحلقة المفقودة. وبالتالي لا أستطيع أن أحدد ما إذا كنتُ في شرقطون أم في الجيزة قبل مجيئي إلى هنا. (الرواية 97- 98)
يعكس هذا المقطع الحالة الذهنية المرتبكة والمترددة للراوي أثناء محاولته التعامل مع تعقيد الأحداث والتجارب التي يواجهها. ويعود هذا الشعور بالاضطراب إلى عدة عوامل، من بينها التهديدات الخارجية، وتشابك الأحداث التي يجد نفسه متورطًا فيها، بالإضافة إلى الاضطراب الداخلي الناتج عن فجوات الذاكرة والشعور المتشظي بالهوية. يخلق هذا التشوش جوًا سرديًا يغلب عليه عدم اليقين، والارتباك، والضيق النفسي، مما يضفي عمقًا على النغمة العامة للرواية ويعزز موضوعاتها الأساسية.
تتمحور نصف مجهول حول التفكك والتشرذم وتحطيم البنى السردية التقليدية. ينطلق البطل ورفيقه في رحلة عبر الزمن، وهي تقنية لا تتيح فقط التلاعب بالعناصر الزمنية والمكانية، بل تعكس أيضًا الانقسام النفسي العميق الذي يعيشه الراوي أو الرواة. ومن اللافت أن المؤلف يتجنب تقديم التفاصيل المعتادة حول الشخصيات وملامحها المميزة، مما يتناقض مع السرد التقليدي.

يسهم هذا الغموض في ترسيخ الطبيعة غير المتماسكة للسرد، حيث تفتقر أحداث الرواية إلى الترابط التقليدي الذي عادةً ما يرافق تطور الحبكة. وبهذا، تعكس الرواية غياب الهوية المحددة، وانتشار الفجوات السردية، وعدم قدرة العقل والعلم على تقديم تفسيرات شاملة للأحداث. ويتجلى هذا بوضوح في تساؤل الراوي: “هل هذه حلقة مفقودة أخرى؟ هل أنا نفسي حلقة مفقودة؟” (الرواية 66).
يعزز هذا الغموض الشعور بعدم اليقين الذي يميز حياتنا المعاصرة، حيث تحدث العديد من الوقائع دون تفسير واضح، ويظل الراوي ممتنعًا عن تقديم إجابات أو تفسيرات مباشرة، مما يعكس الطبيعة غير المؤكدة للوجود الإنساني:
نحن الآن ثلاثة، وفي كل ليلة أسمع صوت ثلاث طلقات نارية جهة الأشجار التي وراء الغيط هناك. ولا يمكنني الآن إلا أن أربط بين عددنا والطلقات الثلاث، مع أنني لا أعرف كيف ستصيبني الطلقة وأنا الآن خارج مجال الطلقات. لكننا لم نحسم لمن فينا هذا الحلم. وإلى أن نستطيع أن نحسم شيئًا، أرى أن الطلقات الثلاث مخصصة لنا، ولا يمكننا أن نموت جميعا موتة واحدة هكذا. ولذلك نحن في حاجة للبحث عن دليل يوصلنا إلى ما حدث لأهل البيت حتى نصل إليهم ويزيد عددُنا عن ثلاثة، بحيث إذا مات ثلاثة منا دفاعًا عنّي، يبقى بعضُنا ليحافظ على الأرض التي سنكون قد حرَّرناها بدمائنا. كما أن أرضنا ملكٌ لنا منذ قديم الزمان، ولم أسمع عن وجود مطاريد فيها. فمن أين تأتي تلك الطلقات؟ ولماذا عددُها ثابتٌ في كلِّ ليلةٍ؟ ولماذا لا نستطيع أن نحسم لمن فينا ينتمي الحلمُ؟ قُلْ لي يا شريف: أين كنتَ قبل أن تراني؟ (الرواية 96-97)
أثناء بحثه عن أدلة تكشف مصير سكان المنزل الغامض، لم تؤدِ استفساراته سوى إلى مزيد من الأسئلة والألغاز والفجوات المحبطة في الفهم. في سياق الرواية، يتحول التاريخ إلى كيان عبثي، أشبه بمنزل شبحي أو أطلال مهجورة. يجد الراوي نفسه منفصلًا تمامًا عن العمليات التحويلية التي أوصلته إلى هذا المنعطف الغامض، مما يدفعه إلى اتخاذ قرار بقطع صلته بالماضي، والتخلي عن التاريخ والحقائق الموضوعية، بل وحتى عن مفهوم الواقع نفسه.
يتآكل إيمانه بالذاكرة والنصوص التاريخية، مما يدفعه إلى التشكيك في جوهر علاقاته وكل ما كان يعده يومًا حقائق ثابتة:
وما علاقتي أنا بالأب؟ ما علاقتي بالابن؟ ما علاقتي بالأم؟ إذا كنتُ لا أستطيع أن أتيقّن من حاضري، مما يحدث أمامي، فكيف تطالبني بأن أثق بذاكرة أحد، أي أحدٍ؟!! …. أدركَ ذلك الشاب أنَّ كلَّ دلوِ ماءٍ كان يسكبه في ذلك الزير ليمتلئ كان حلقةً مفقودةً، كان حلقة في سلسلة طويلة لا سند لها. اعذرني يا جدي؛ فربما أضطر لأن أملأ فجوات حكايتك وحلقاتِها المفقودة بتفاصيل من عندي، فلا بد أن يكون الكلام له معنى، ولا يمكنني أن أظل حائرًا وتائهًا ومشوَّشًا وضائعًا هكذا. )الرواية 139)
كما أشرنا في بداية هذا القسم، لم يعد المجتمع المعاصر يعول كثيرًا على الحقيقة المطلقة، بل بات مرتكزًا على وجهات النظر الذاتية والميول العاطفية العميقة. وأصبحت الآراء الشخصية تهيمن بشكل متزايد، مؤثرة في تشكيل المواقف المجتمعية بعمق أكبر من أي وقت مضى.
يميل الجزيري إلى تبني بنى سردية وأساليب تزعزع التدفق الخطي التقليدي عمدًا. ويتجسد ذلك من خلال الانتقالات المفاجئة والانفجارات السريعة للإدراك، مما يجعل تجربة الزمن متقلبة وغير متوقعة. وقد شكل هذا النهج تحديًا لأولئك الذين اعتادوا إدراك الزمن كمسار خطي متصل، حيث يميلون إلى تفسير أي انحراف عن الخطية إما كحركة دائرية أو كحالة من الثبات.
في نصف مجهول، يبدو الزمن كيانًا متشظيًا ومترابطًا بشكل معقد، يفلت باستمرار من سيطرة الراوي. ففي إحدى اللحظات، يتأمل أظافره القصيرة، ليدرك في اللحظة التالية أن لحيته نمت، رغم أنه حلقها بالأمس فقط. مذهولًا من هذا الاضطراب الزمني، يلتفت إلى رياض ويسأله، بحثًا عن تفسير لهذا الانحراف الغامض عن الزمن المعتاد:
كل ما حولنا يقول إننا كنا هنا منذ شهور أو سنوات، مع أنَّ شَكْلَنَا لا يظهرُ عليه أيُّ أثرٍ لهذه الفترة الطويلة. يقول لي: لا تقلقْ. أنا أستطيعُ أن أحدِّدَ الوقتَ جيدًا، فهذه الشمسُ المشرقةُ تقول إننا قضينا الليل وجزءًا من نهار أمس على الأقلِّ في هذا البيت الملعون. أنا آسف، فلا أجد وصفًا يليقُ به أقل من ذلك. (الرواية 172)
أثناء حديثه مع الضابط حسن، تتلاشى الحدود الجغرافية فجأة، لينتقل السرد من أجواء شرقطون إلى مقهى صاخب في حي فيصل بالجيزة، مصر. يترك هذا التحول المفاجئ الراوي في حالة من الذهول، إذ كان قبل لحظات فقط متمركزًا بوضوح داخل عالم شرقطون. ومع ذلك، يوضح الضابط حسن أن هذه الحادثة الغريبة وقعت خلال شهر رمضان السابق، بينما كانا يستمتعان بثمار البنزين الغامضة ويتلذذان بضوء النهار الساطع:
دكتور، إن مجرد نظرتك في هذه اللحظة ترعبني، ولولا المودة العميقة التي أكنها لك، لربما لفقتُ لك تهمةً عقوبتها السجن والغرامة، وأنا أعلم جيداً أنك لا تملك خمسين جنيهاً شرقاطوناً ولا تستطيع سداد ديونك في مصر. هل ترى كيف أكون صريحاً معك، كيف أستخدم عبارة “لفقت لك تهمة” بكل صراحة؟ أقول له مازحاً: “هذا يسمى “في العلن” وليس “لك”. فيقول لي بلامبالاة واستهزاء في نفس الوقت: “أين عقلك يا دكتور؟ هل يوجد غيري وغيرك في هذا المقهى الشعبي؟ لقد جعلتني الأفلام المصرية أحب مصر والمقاهي المصرية. ارتشف قهوتك ودخن الشيشة يا دكتور. ارتشف. دخن. لن يأخذ أحد معه شيئاً من هذه الدنيا عندما يغادرها. أين زبائن المقهى؟” (الرواية 58)
يرى الجزيري في التفتت انعكاسًا جوهريًا للأزمات المعاصرة في عالم تحكمه قوى العولمة والاتصال الجماهيري. في هذا السياق، تآكلت الفكرة التقليدية عن “المركز” الواضح والمستقر، وأصبح رسم خرائط الفضاء أكثر مراوغة من أي وقت مضى. ولا يُعد هذا التطور مفاجئًا، إذ تؤدي العولمة إلى إذابة الحدود المكانية التقليدية، مما يخلق شعورًا بالضياع والارتباك.
علاوة على ذلك، تشير رواية الجزيري إلى أن هذا العالم ما بعد الحداثي، الذي تغلغلت فيه التكنولوجيا وأصبحت وسائل الإعلام تهيمن عليه، يوفر بيئة خصبة لتنامي مشاعر الاضطهاد. إن الانتشار الواسع للتكنولوجيا وسيطرة الإعلام المتزايدة يعززان الشعور بالمراقبة المستمرة وانعدام الخصوصية، مما يؤدي إلى تنامي القلق والارتياب.
كما تجسد الرواية عالمًا منفصلًا عن تاريخه، حيث تم استبدال الذاكرة الجماعية بتدفق لا ينقطع من الصور والتمثيلات البصرية. في هذا الواقع “المفرغ”، لم يعد الماضي حاضرًا كتجربة أو وعي تاريخي، بل تحول إلى سطح مستوٍ تحكمه ثقافة الصورة والمحاكاة، التي حلّت محل العمق والتأمل التاريخي الذي كان يميز الحداثة.