الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير (1)

الثانوية العامة: امتحان حياة أم فخ مجتمعي؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

    في كل عام، ومع اقتراب موسم الثانوية العامة، ترتجف البيوت، ويخيم التوتر على الأسر، وتُعطل المناسبات، وتُسحب أجهزة الهواتف من الأبناء، وتُحظر الزيارات، وتتحول حياة طالب أو طالبة إلى زنزانة مؤقتة، فيها كتاب ومذكرة وساعات لا ترحم. ولكن السؤال الذي لا نجرؤ غالبًا على طرحه بصوت عالٍ هو: هل تستحق الثانوية العامة كل هذا الرعب؟ وهل هي فعلًا “امتحان حياة”، أم أنها فخ مجتمعي صنعناه بأيدينا وصدقناه؟
وهم البوابة الوحيدة
    منذ عقود، ترسّخ في الوعي الجمعي العربي – والمصري على وجه الخصوص – أن الثانوية العامة هي البوابة الوحيدة إلى “النجاة”: إلى الوظيفة، والمكانة، والزواج، والاستقرار. فصار المجموع رقماً مقدساً، يعلو على الموهبة، والميول، وحتى الصحة النفسية.
إنها ليست مجرد سنة دراسية، بل اختبار وجودي يُحدد مصير شاب أو فتاة في عمر الزهور. وكل من لا يجتاز هذا الامتحان بالمعدل “المطلوب”، يشعر أنه سقط من الحياة نفسها، وكأن الفرص الأخرى في الكون قد انغلقت عليه إلى الأبد.
لكن الواقع يقول: هذا كذب منظم صدقناه، ونقله الإعلام، وعززه التعليم، وباركه المجتمع.
بين الطالب والمجتمع: لعبة أعصاب
الطالب في الثانوية العامة لا يُمتحَن فقط في الفيزياء والكيمياء، بل يُمتحَن في الصبر والتحمل والضغط النفسي. المجتمع لا يكتفي بمراقبته، بل يمارس عليه ضغطًا جماعيًا صامتًا: “كم جبت؟”، “هتدخل كلية إيه؟”، “فلان جاب أكتر!”، وتبدأ دوامة المقارنة التي تذبح دون أن تترك دماً.
بل إن بعض الأسر تفقد البوصلة، فترى في تفوق الابن أو البنت وسيلة لتعويض شعور بالنقص، أو لاستعراض اجتماعي أمام الأقارب والجيران. وهكذا يتحول الامتحان من تقييم علمي إلى معركة نفسية.
المدارس الخصوصية: الوجه الآخر للفخ
كيف يمكن الحديث عن عدالة الثانوية العامة ونحن أمام نظام يرتبط بالقدرة على الدفع؟ مراكز دروس، وكتب خارجية، وحصص خصوصية، كلها تفتح أبوابها لمن يملك المال، بينما الطالب الذي لا يملك سوى عقل متقد وضمير يقظ، يُترك في مهب التعليم الرسمي المتعب، الذي أنهكته البيروقراطية.
لقد صار من المألوف أن نسمع عن طلاب يقضون أكثر من 10 ساعات يوميًا في الدروس، وكأنهم في مصنع للعلامات، لا في مدرسة للحياة. فهل هذه هي “النهضة التعليمية” التي نطمح إليها؟

n

أين الموهبة؟ وأين الإنسان؟
ما لا يقوله النظام أن هناك طلابًا عباقرة في الرسم، أو البرمجة، أو الخطابة، أو الموسيقى، لكنهم لا يجدون مكانهم في هذا القالب الحديدي الذي يُقاس فيه كل شيء بالدرجات. الثانوية العامة لا تُقيس الإبداع، بل تُقيس القدرة على الحفظ، وعلى التلخيص، وعلى اتباع النماذج. أما التفكير الحر، والخيال، والتجريب، فهي مهارات لا مكان لها هنا.
إننا، ببساطة، نُخرج من مدارسنا نسخًا متشابهة، ونقتل الاختلاف، لنُرضي نظامًا جامدًا.

هل من مخرج؟
المشكلة ليست في الامتحان نفسه، بل في المعنى الذي ألبسناه له. الحل لا يبدأ من شكل الأسئلة أو توزيع الدرجات، بل من تغيير ثقافي عميق يسأل:
• ما الهدف الحقيقي من التعليم؟
• ما الذي نريد لأبنائنا أن يكونوه، لا أن يحققوه فقط؟
• هل نحن نُعدّهم لحياة مرنة ومتغيرة، أم نُقيدهم بمنظومة من القرن الماضي؟
نحتاج إلى تعليم لا يُرهِق الطالب، بل يُحرره. لا يصنع عُقد التفوق، بل يفتح آفاق الاكتشاف. نحتاج إلى أن نؤمن أن الثانوية العامة ليست نهاية المطاف، ولا ينبغي لها أن تكون.
نحو إعادة التفكير
الحديث عن أزمة الثانوية العامة ليس نحيبًا على نظام فاشل، بل دعوة شجاعة لإعادة التفكير. ربما حان الوقت لنسأل أنفسنا: هل نحن نربّي أبناءنا ليتفوقوا في الامتحانات، أم لنصنع منهم أناسا أحرارًا، مفكرين، مبادرين؟
في المقالات القادمة، سنغوص أكثر في خبايا هذه المنظومة: من الكواليس الاقتصادية، إلى الأثر النفسي، إلى تجارب عالمية ناجحة، وصولًا إلى ما يمكن فعله – لا لنهدم، بل لنبني من جديد.
فالثانوية العامة لا ينبغي أن تكون امتحان حياة، ولا فخًا مجتمعياً. بل ينبغي أن تكون إحدى محطات التعلم، لا أكثر.

زر الذهاب إلى الأعلى