الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب ” غدًا تبدأ امتحانات الثانوية العامة: لماذا يجب أن نبدأها بالتفاؤل لا بالخوف؟ “

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

غدًا، تدق ساعة الحسم، وتبدأ امتحانات الثانوية العامة في مصر. لحظة ينتظرها مئات الآلاف من الطلاب، وتعيشها آلاف البيوت المصرية كل عام، يتنفسون القلق، ويشربون الترقب مع كل فنجان قهوة في ليالي المراجعة الأخيرة. لكن، دعونا نسأل سؤالًا عكسيًّا: ماذا لو بدأنا هذه المرحلة الحاسمة بالتفاؤل، بدلًا من التوتر؟ ماذا لو قررنا أن نراها بداية لرحلة جديدة، لا نهاية لحلم؟

في هذا المقال، دعوة صادقة نابعة من قلب يعرف ماذا تعني الثانوية العامة في وجدان المصريين، لكنها أيضًا دعوة عقلانية مدعومة بالعلم والبحث، لنفكر معًا: كيف نحول هذا الضغط إلى فرصة؟ كيف نُطمئن القلوب ونفتح النوافذ على أمل جديد؟

امتحانات الثانوية العامة: هل هي نهاية العالم؟
لا، ببساطة لا.
تمنحنا الحياة تجارب كثيرة، وكلها تحمل في طياتها فرصًا للنمو، والامتحانات واحدة منها. لكنّنا ـ عن غير قصد ـ حمّلناها فوق طاقتها، حتى صارت كأنها “الفيصل” الوحيد في حياة الطالب، والحكم القاطع على مستقبله، وهذا غير دقيق علميًّا ولا واقعيًّا.

وفقًا لدراسة نشرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)، فإن القلق المرتبط بالاختبارات يؤدي إلى انخفاض الأداء الأكاديمي إذا تجاوز حدًّا معينًا، بينما يؤدي التفاؤل والثقة بالنفس إلى تحسين الأداء بشكل ملحوظ (Segool et al., 2013). بعبارة أخرى، حين نخاف من الامتحان أكثر مما ينبغي، فإننا نُعيق أنفسنا دون أن نشعر.

التفاؤل ليس رفاهية… إنه أداة للنجاح
قد يبدو الحديث عن التفاؤل في لحظة امتحان وكأنه نوع من الترف العاطفي، لكنه في الحقيقة ضرورة نفسية وعصبية. تقول الدكتورة باربرا فريدريكسون، أستاذة علم النفس الإيجابي في جامعة نورث كارولينا:
“التفاؤل لا يغير النتيجة مباشرة، لكنه يغير طريقة تعاملك معها، وهذا قد يغير النتيجة فعلًا”
(Fredrickson, 2009).
التفاؤل ليس تجاهلًا للمشكلة، بل هو الإيمان بأن لديك القدرة على مواجهتها. الطالب المتفائل لا يعني أنه لا يشعر بالقلق، بل يعرف كيف يُديره، كيف يركز على ما يستطيع فعله الآن، لا على ما يخشى أن يفقده غدًا.

4444444444401

أنت أكبر من ورقة الامتحان
كم من مبدع لم يكن من أوائل الثانوية، لكنه صنع التاريخ في مجاله؟
ستيف جوبز، مثلًا، لم يكمل دراسته الجامعية، لكنه غيّر شكل التكنولوجيا الحديثة. توماس إديسون، مخترع المصباح الكهربائي، فشل في المدرسة النظامية، لكنه اخترع أكثر من ألف اختراع غيّر العالم.

في مصر، كم من الفنانين والعلماء ورواد الأعمال لم يكونوا “أوائل الثانوية العامة”، بل عاشوا لحظات إخفاق، ثم واصلوا طريقهم بإيمان وشغف. النجاح الحقيقي لا يُقاس برقم في شهادة، بل بقدرتك على التعلّم المستمر، والمثابرة، والبحث عن ذاتك الحقيقية.

إلى الطلاب: لستم وحدكم
وراء كل طالب الآن، أُسرة تتابع، وقلب أم لا ينام، ويد أب تربّت على الكتف، ومعلم قدّم كل ما يستطيع. ولعل أجمل ما في الثانوية العامة أنها تجعلنا نعيش “الحلم الجماعي”، حيث الكل يتمنى ويصلي من أجل طالب واحد. هذا الدعم المجتمعي طاقة هائلة إذا أحسنت الاستفادة منها.

ولذلك، فإن الانعزال أو الشعور بأنك وحدك في هذه الرحلة هو وهم. إذا شعرت بالضغط، تحدّث. إذا شعرت بالخوف، صلِّ. إذا شعرت بالضعف، تذكّر أنك إنسان، ومن حقك أن تتعب، لكن لا تتوقف.

ما بعد الامتحان… هناك حياة كاملة تنتظرك
مهما كانت نتيجتك، سيبقى أمامك طريق مفتوح. التعليم الجامعي ليس الباب الوحيد للنجاح. العالم يتغير، وسوق العمل اليوم يقدّر المهارات والقدرة على التعلّم أكثر مما يقدّر الشهادات وحدها. البرمجة، الترجمة، ريادة الأعمال، العمل الحر، الفنون، وحتى المهارات الحرفية العالية، كلها أبواب مشرّعة تنتظر من يطرقها بجدية.

يقول عالم النفس الشهير مارتن سيليغمان:
“النجاح المستدام لا يأتي من الامتياز الأكاديمي وحده، بل من المرونة النفسية والتفاؤل والمثابرة”
(Seligman, 2011).

وأخيرًا… دعاء الأمل
لكل طالب وطالبة يدخلون قاعات الامتحان غدًا:
اجتهدوا، وثقوا بأنفسكم، واعلموا أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. كل ساعة سهر، وكل دمعة قلق، وكل دعاء أم في جوف الليل… لن يضيع.

امتحانات الثانوية العامة ليست نهاية، بل منعطف. اجعلوه منعطفًا مشرقًا.
ابدأوا غدًا بذكر الله، وابتسامة ثقة، ونفس عميق يقول: “أنا أستطيع”.

المراجع:

1. Fredrickson, B. L. (2009). Positivity: Top-Notch Research Reveals the 3-to-1 Ratio That Will Change Your Life. Crown Archetype.
2. Segool, N. K., Carlson, J. S., Goforth, A. N., von der Embse, N., & Barterian, J. A. (2013). Heightened test anxiety among young children: Elementary school students’ anxious responses to high‐stakes testing. Psychology in the Schools, 50(5), 489-499. https://doi.org/10.1002/pits.21689
3. Seligman, M. E. P. (2011). Flourish: A Visionary New Understanding of Happiness and Well-being. Free Press.

زر الذهاب إلى الأعلى