دكتور ناصر الجندي يكتب عن رحلة العائلة المقدسة إلى مصر… حين زارنا المسيح وباركتنا مريم

بقلم: دكتور ناصر الجندي

مسلم يحب المسيح ومريم

   هناك لحظات تمر في التاريخ، لا تُقاس بالسنين، بل تُقاس بقداستها. من بين تلك اللحظات، تلمع في الذاكرة رحلة العائلة المقدسة إلى مصر. لم تكن مجرد هروب من بطش حاكم، بل كانت مشيئة إلهية، أن تستضيف أرض الكنانة نبيًا عظيمًا في مهده، وأمه الطاهرة، خير نساء العالمين، السيدة مريم.
كم نحن محظوظون، نحن أبناء مصر، أن زارنا المسيح عليه السلام وهو طفل، وأن مشت أمه العفيفة على أرضنا، وأن مرّت بركتهم على نخيلنا ومياهنا وترابنا.

السيدة مريم… الطاهرة المُصطفاة
   قبل أن نروي الرحلة، يجب أن نتوقف عند مريم. إنها ليست فقط أم نبي، بل هي في حد ذاتها آية. في القرآن، أفرد الله لها سورة كاملة باسمها، “سورة مريم”، وهذا لم يحدث مع أي امرأة أخرى. ويكفي أن نقرأ قوله تعالى:
“وإذ قالت الملائكةُ يا مريمُ إنّ الله اصطفاكِ وطهّركِ واصطفاكِ على نساءِ العالمين” (آل عمران: 42)
ما أعظم هذا التشريف! امرأة تنشأ في بيت عبادة، تعيش حياة الزهد والطهر، ثم يفاجئها جبريل بخبر يهز الجبال:
“إني رسول ربكِ لأهبَ لك غلامًا زكيًّا” (مريم: 19)
مريم لم تكن نبيّة، لكنها كانت فوق كثير من الأنبياء في إيمانها وصبرها وتسليمها. وفي الإنجيل، يصفها الملاك قائلاً:
“سلامٌ لكِ أيتها الممتلئة نعمة، الرب معكِ، مباركة أنتِ في النساء” (لوقا 1: 28)
هي مريم التي أنجبت المسيح بكلمة من الله، بلا أب، ليكون ميلاده معجزة، ورسالة، ورحمة.

الرحلة تبدأ… أمر من السماء
   بعد ميلاد السيد المسيح، بدأ الخطر يقترب. الملك هيرودس، خاف من نبوءة تتحدث عن “ملك لليهود” يولد في بيت لحم، فأمر بقتل كل الأطفال دون السنتين. وهنا، جاء الأمر الإلهي إلى يوسف النجار:
“قُم، خُذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر، وابق هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس يبحث عن الطفل ليقتله” (متى 2: 13)
وهكذا بدأت الرحلة… من فلسطين إلى مصر. أم تحمل طفلها، وزوج أمين يحرسهما في طريق محفوف بالمخاطر. لكن الله كان معهم، يحميهم، ويمهد لهم الطريق.

55555555555551

مصر… حين زارتها البركة
  دخلت العائلة المقدسة مصر من سيناء، ومرّت على أماكن كثيرة: الفرما، تل بسطا، بلبيس، سمنود، المطرية، المعادي، جبل الطير، الأشمونين، ديروط، إلى أن وصلت إلى صعيد مصر. كل مكان مروا به صار يحمل قداسة، وكأن خطواتهم باركت الأرض.

  في المطرية، استظلت مريم بظل شجرة، ما زالت موجودة حتى اليوم، يُقال إنها نخلتها. وهناك تفجّرت عين ماء، فشربوا منها وغسلوا ثيابهم. في المعادي، ركبوا زورقًا لعبور النيل، فصار المكان مزارًا. مصر، التي ذكرها الله في كتابه العزيز، صارت ملجأً لابنه وكلمته وروحه:
“ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ” (يوسف: 99)

المسيح… كلمة الله وروحه
  في الإسلام، المسيح عيسى عليه السلام ليس فقط نبيًا، بل هو “كلمة من الله ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه”، كما في قوله تعالى:
“إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشّركِ بكلمةٍ منه، اسمه المسيح عيسى بن مريم، وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين” (آل عمران: 45)
وفي الإنجيل، يُقال عنه:
“ويُدعى اسمه عمانوئيل، أي الله معنا” (متى 1: 23)
المسيح جاء بالرحمة، بالسلام، بالحكمة. لم يحمل سيفًا، بل كلمة. لم يسعَ لحكم، بل لهداية. شفَى المرضى، وأحيا الموتى، وكل ذلك بإذن الله.

لماذا نحبهم؟
  كمسلمين، لا نقرأ هذه القصة كغرباء، بل كأهل. نحن نؤمن أن مريم أطهر نساء الأرض، وأن المسيح نبي كريم، من أولي العزم. نُجله، وننتظر عودته آخر الزمان، ليكسر الظلم وينشر السلام. ولا نفصل بين رسالات السماء، بل نؤمن أن الله أرسل الرسل جميعًا لهداية الناس.
“آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ” (البقرة: 285)

ختام الرحلة… وبداية المحبة
  عادت العائلة المقدسة إلى فلسطين، لكن أثَرهم لم يغادر مصر. ظلّت الأماكن تروي، والقلوب تتذكر، والكتب تشهد.
تلك الرحلة لم تكن مجرد تنقل بين المدن، بل كانت مسيرًا إلهيًا، صنع جسورًا بين القلوب، وزرع في أرض مصر شجرة محبة، ما زالت تثمر حتى اليوم.
سلامٌ على المسيح يوم وُلد، ويوم مات، ويوم يُبعث حيًّا.
سلامٌ على مريم في كل كتاب، وعلى كل أم تُحب وتُضحّي.
وسلامٌ على مصر… يوم احتضنت النور في حضنها، فصارت منارة للسلام.

زر الذهاب إلى الأعلى