الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (7)

هل ما زال للمدرسة دور في زمن الدروس الخصوصية؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

المبنى بلا معنى
في السابعة صباحًا، تفتح المدرسة أبوابها.
يدخل الطلاب في طابور هزيل، ثم يتوزعون على فصول مزدحمة، حيث لا شرح، ولا اهتمام، ولا تعلم فعلي.
وفي الظهيرة، يخرجون منها ليبدأ يومهم الحقيقي… في مركز الدروس الخصوصية.
المدرسة التي كانت قديمًا منارة للعلم، وبيتًا للانتماء، ومصنعًا للمستقبل، أصبحت اليوم عند كثير من الطلاب مكانًا مملًا، بلا وظيفة واضحة.
فمتى غابت المدرسة؟
ولماذا؟
وهل يمكن أن تعود إلى دورها الحقيقي؟
أم أن دورها أصبح ذكرى تاريخية في عصر التعليم الموازي؟
من التعليم إلى “التوقيع”
لم تعد المدرسة بالنسبة للطالب مكانًا لتلقي العلم، بل أصبحت:
• “إثبات حضور” أمام أولياء الأمور أو الإدارة
• “مكانًا للراحة” قبل موعد الدرس الخصوصي
• أو أحيانًا، مجرد “مساحة اجتماعية” للقاء الأصدقاء
أما العملية التعليمية ذاتها فقد نزحت خارج الأسوار:
• المعلم الجاد ينشغل بالدرس المدفوع
• الطالب الجاد لا ينتظر الشرح داخل الحصة
• والبيت نفسه لم يعد يراهن على ما يحدث في المدرسة
وهكذا، تفككت العلاقة الجوهرية بين الطالب والمدرسة، وبات السؤال مشروعًا:
هل ما زال للمدرسة دور حقيقي؟ أم أن الدروس الخصوصية احتلت المكان تمامًا؟
أسباب الغياب: تشريح الأزمة
لكي نفهم غياب المدرسة، علينا أن نواجه الأسباب بوضوح:
1. تكدّس الفصول وانعدام البيئة التعليمية
• فصل يضم 50 أو 60 طالبًا، بلا تهوية ولا مساحة حركة
• ضوضاء وحر، ووسائل تعليمية معدومة
• حصة مدتها 35 دقيقة، يُفترض أن تحتوي على شرح، أسئلة، وتقييم!
2. ضعف رواتب المعلمين داخل المدرسة
• المعلم لا يجد ما يكفيه داخل المدرسة، فيبحث عن تعويض خارجي
• يُصبح الحافز الحقيقي للعمل هو الدرس لا الحصة
• بل قد يتحول أداء المعلم داخل الفصل إلى ترويج غير مباشر للدرس الخصوصي
3. ضعف ثقة المجتمع في المؤسسة المدرسية
• الطالب لا يثق أن ما سيتعلمه داخل الفصل سيؤهله للامتحان
• الأسرة تؤمن أن النجاح في الثانوية مرتبط بالدرس فقط
• المدرسة تتحول إلى “عبء إداري”، لا أكثر
4. غياب الأنشطة والتربية الحقيقية
• لم تعد المدرسة تنمّي الشخصية أو المهارات
• لا موسيقى، لا رياضة حقيقية، لا حوار
• حتى الحصص “الخفيفة” أُلغيت أو أُهملت، وأصبح كل شيء “من أجل الامتحان فقط”

77777777777577777770النتائج: تعليم بلا روح
ما يحدث نتيجة هذا الغياب أخطر مما يبدو:
• الطالب يفقد الانتماء للمؤسسة التعليمية
• يُصبح التعليم تجربة فردية معزولة، لا جماعية
• تنعدم العلاقة التربوية بين المعلم والطالب، ولا يبقى إلا التعامل المادي
• تضيع فرص بناء الشخصية، وتصبح المدرسة مكانًا للملل أو الهروب
وهكذا، لا ينتج النظام “عقلًا متعلمًا”، بل “آلة درجات” تدور بين مراكز الدروس… ثم تتوقف بعد الامتحان.
هل يمكن إنقاذ المدرسة؟
نعم، إذا أردنا، يمكن أن تستعيد المدرسة دورها، بشرط أن نتعامل معها كأولوية وطنية لا مجرد مبنى إداري.
وذلك عبر:
1. إعادة الاعتبار للمدرسة كمصدر أساسي للتعليم
• تطوير المناهج لتكون مناسبة للشرح داخل الحصة
• ربط التقييم النهائي بما يُدرّس في المدرسة فعلًا
2. تحفيز المعلم على الأداء داخل الفصل
• زيادة حوافز العمل المدرسي
• مراقبة جادة لضعف الأداء، لكن بدعم لا بعقاب فقط
• ربط الترقّي بجودة التعليم داخل الفصل، لا بعدد الطلاب في الدرس
3. تطوير البنية التحتية للمدرسة
• فصل نظيف، هادئ، مكيّف أو جيد التهوية
• وجود تقنيات بسيطة للشرح، وبيئة محفزة على الفهم
4. عودة الأنشطة الطلابية والتربية المتكاملة
• إحياء المسرح المدرسي، الرياضة، الموسيقى، الجماعات الفنية
• تدريب المعلمين على احتواء الطالب نفسيًا واجتماعيًا، لا أكاديميًا فقط
ما الذي نخسره عندما تغيب المدرسة؟
غياب المدرسة لا يعني فقط غياب الدروس، بل غياب:
• القدوة
• الانضباط
• العلاقات الإنسانية الحقيقية
• الذكريات الجماعية والتجارب التربوية
• الهوية التعليمية
نحن لا نخسر تعليمًا فقط، بل نخسر مجتمعًا كاملاً يتشكل داخل جدران المدرسة.
العودة إلى الجذور
المدرسة ليست مجرد حصة ودرجات، بل بيئة تُصنع فيها الشخصيات، وتُزرع فيها البدايات.
وحين نُهمّشها، فإننا نضعف الرابط بين المواطن ومؤسسته الأولى، وننقل التعلم من المجال العام إلى السوق الخاص.
فهل نعيد للمدرسة مكانتها؟
أم نواصل دفنها ببطء تحت ركام اللامبالاة والاعتياد؟
الاختيار ليس للطالب وحده، بل لنا جميعًا.

زر الذهاب إلى الأعلى