دكتور أشرف إبراهيم زيدان يكتب جيرار جينيت والنظرية السردية

               دكتور أشرف إبراهيم زيدان
رئيس قسم اللغة الإنجليزية- جامعة بور سعيد
     منذ أواخر ستينيات القرن العشرين، بدأت تظهر نسخة أكثر تقييدًا من التناص في إطار عدد من النظريات.
يُعد الناقد والمنظّر الفرنسي جيرار جينيت أحد أبرز رموز هذا التيار النقدي. وُلد في باريس عام 1930، وارتبط اسمه بالحركة البنيوية، حيث يُعزى إليه تطوير مفهومي السرد والتداخل النصي. وقد توفي في 11 مايو 2018، مُخلّفًا إرثًا فكريًا غنيًا لا يزال يُشكل تأثيرًا بالغًا في ميدان النظرية الأدبية.
منظّرو التناص (Intertextual Theorists)
   يرى البنيويون أن بإمكان النقد الأدبي تحديد دلالة النصوص وتحليلها، حتى حين تكون هذه الدلالة مرتبطة بعلاقات تناصية تربط النص بنصوص أخرى. في المقابل، يرفض ما بعد البنيويين هذه الفرضية، إذ يرون أن تعقيد النصوص يستعصي على التتبع الدقيق لأصولها أو مرجعياتها. وبناءً على هذا الاختلاف الجوهري، انقسم منظرو التناص إلى اتجاهين رئيسيين. يذهب الاتجاه الأول، الذي يُمثّل التيار البنيوي، إلى أن دلالة النص يمكن تفسيرها تفسيرًا شاملًا من خلال تحليل الوحدات البنيوية التي تُكوّن النص، إلى جانب علاقاته بالنصوص الأخرى. أما الاتجاه الثاني، الذي ينتمي إلى ما بعد البنيوية، فيركّز على الطابع غير الحاسم للعلاقة بين الدال والمدلول، مؤكدًا على تعدد المعاني وعدم استقرارها.

ينتمي جيرار جينيت إلى المعسكر البنيوي من منظري التناص، حيث يتبنى مقاربة منهجية تحلل النصوص في ضوء العلاقات البنيوية التي تربطها ببعضها البعض. لا يهتم جينيت بالرموز أو النصوص الفردية بحد ذاتها، بل ينصبّ اهتمامه على الكيفية التي تعمل بها العلامات والنصوص داخل أنظمة دلالية وثقافية محددة، وعلى الطقوس والممارسات التي يمكن وصفها وتحليلها بوصفها مولّدة للمعنى.

الخطاب السردي (Narrative Discourse)
كرّس جيرار جينيت الجزء الأكبر من أعماله لتحليل طبيعة الخطاب السردي، مع تركيز خاص على البُنى الخيالية للسرد. وفي ثلاثيته المتميزة، التي تضم: “المهندس: مقدمة” (1992)، “المخطوطات: أدب من الدرجة الثانية” (1997)، و”النصوص الموازية: عتبات التأويل” (1997)، يضع جينيت نظرية متكاملة وخريطة مفاهيمية دقيقة لما يُسميه بـ “التناصية”. ويمكن فهم هذه “التناصية” باعتبارها مقاربة بنيوية للتناص، تهدف إلى دراسة العلاقات النصية ضمن إطار منهجي يركّز على البُنى والعلاقات القائمة بين النصوص.

التداخلية النصية (Transtextuality)
يُعرّف جيرار جينيت التداخلية النصية، أو ما يُعرف أيضًا بـ “التسامي النصي”، باعتبارها العلاقة التي تربط نصًا معينًا بنصوص أخرى، سواء كانت هذه العلاقة ظاهرة للعيان أو خفية. وفي كتابه “المهندس: مقدمة”، يوضح جينيت أن التداخلية النصية تشمل عناصر مثل المحاكاة، والتحويل، وتصنيف أنواع الخطاب.
تمثل التداخلية النصية، كما يطرحها جينيت، صيغة منهجية للتناص تختلف عن المفاهيم التي قدمها منظّرو ما بعد البنيوية. فقد صاغ جينيت هذا المصطلح ليُميز مقاربته البنيوية عن التفسيرات الأكثر انفتاحًا وغير المنضبطة للتناص في نظريات ما بعد البنيوية. ومن خلال هذا الإطار، يسعى جينيت إلى تقديم طريقة منهجية يمكن من خلالها تفسير النصوص وتحليل علاقاتها النصية بشكل منظم. ولتحقيق هذا الهدف، قسّم جينيت التداخلية النصية إلى خمس فئات رئيسة:
1. التناص (Intertextuality) – الإحالة المباشرة أو غير المباشرة إلى نصوص أخرى داخل النص.
2. الباراتكست/النص الموازي (Paratext) – العناصر المرافقة للنص مثل العنوان، المقدمة، الهوامش، والإهداء.
3. الميتاتكست (Metatext) – التعليق النقدي الذي يتناول نصًا آخر بالشرح أو التحليل.
4. الهايبرتَكست (Hypertext) – النص الذي يتفرّع أو يُعاد إنتاجه من نص سابق (ما يسميه جينيت “النص السابق” أو (hypotext).
5. الأركيتكست (Architext) – العلاقة النوعية أو التصنيفية بين النص والنوع الأدبي الذي ينتمي إليه.
ورغم هذا التقسيم الدقيق، يقرّ جينيت بأن هذه الفئات ليست منفصلة بشكل صارم، بل تتداخل فيما بينها، مما يعكس الطبيعة المعقدة والمتشابكة للعلاقات النصية.
ما هو التناص؟
يُعد “التناص” أول نوع من أنواع العلاقات النصية في تصنيف جيرار جينيت، وهو مصطلح قد يبدو مُربكًا نظرًا لتكرار استخدامه بمعانٍ مختلفة في النقد الأدبي. إلا أن جينيت يُعرّفه بشكل دقيق باعتباره “علاقة الحضور المشترك بين نصين أو أكثر”، و”الحضور الفعلي لنص داخل نص آخر” (المهندس: مقدمة). في هذا الإطار، يشمل التناص عند جينيت ثلاث آليات رئيسة: الاقتباس، والانتحال، والتلميح. وتُوفّر هذه العناصر شكلًا ملموسًا وقابلًا للتحديد من العلاقات التناصية بين أجزاء محددة من نصوص مختلفة. يهدف جينيت، من خلال هذا التحديد الدقيق، إلى إدراج كل عنصر من عناصر النص ضمن منظومة تحليلية واضحة ومنهجية، مما يُسهّل على الناقد تتبّع العلاقات بين النصوص بشكل عملي ومنظم.

33.0 النصوص الموازية
النوع الثاني من العلاقات النصية في تصنيف جيرار جينيت هو النصوص الموازية، وهو مفهوم تناوله بعمق في كتابه “النصوص الموازية: عتبات التأويل” (1997). يُشير النص الموازي، في رؤية جينيت، إلى كل ما يحيط بالنص الأساسي ويُمهّد له، ويشكّل ما يُعرف بـ “العتبة” التي تفصل النص عن العالم الخارجي. تتكون هذه العتبة من عنصرين رئيسيين:
• النص العلوي ((Peritext: ويشمل المكونات التي تظهر داخل الكتاب نفسه مثل: العنوان، عناوين الفصول، المقدمة، التعليقات التوضيحية، الملاحظات الهامشية، الإهداءات، والتنبيهات.
• النص الخارجي (Epitext): ويتضمن العناصر التي تكون خارج الكتاب ماديًا مثل: المقابلات، الرسائل، التصريحات الإعلامية، والمقالات النقدية المرتبطة بالنص.
يرى جينيت أن هذه النصوص الموازية تُوجّه طريقة تلقي القارئ للنص، وتؤثر على فهمه وتفسيره، ما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من التجربة النصية الكاملة.
عناوين الفصول
تُعدّ العناوين والفصول، إلى جانب الإهداءات، والرسوم التوضيحية، والعبارات الافتتاحية، والمقدمات، جميعها عناصر يرى جيرار جينيت أنها تؤثر بدرجة كبيرة في تفسير النص الأدبي. ويتكون ما يُعرف بالنص الافتتاحي من مكونات تقع خارج حدود النص الأصلي، مثل المقابلات، والإعلانات الترويجية، ومراجعات النقاد، والرسائل الخاصة، وسائر الأشكال الخطابية التي تُنتج أو تُحرر خارج النص. ومن هنا، يُعرّف النص الموازي بأنه حاصل الجمع بين النص المحيط (Peritext) والنص الافتتاحي (Epitext). يلعب هذا النص الموازي أدوارًا تداولية متنوعة، إذ يُسهم في توجيه القارئ نحو فهم سياق نشر العمل: متى نُشر، ومن الذي نشره، ولماذا نُشر، وكيف يجب أو لا يجب قراءته. ويميز جينيت بين نوعين من النصوص الموازية: تلك التي تصدر عن المؤلف نفسه (ذاتية)، وتلك التي تصدر عن جهة أخرى مثل الناشر أو المحرر (غير ذاتية). وتكمن الوظيفة الرئيسة للمقدمات الذاتية أو الموازية في جذب القارئ وتحفيزه على قراءة النص، وتقديم توجيه عام لطريقة قراءته. وفي إطار تحليله للتناص الموازي، يتخذ جينيت موقفًا مغايرًا لبعض منظّري ما بعد البنيوية الذين أنكروا أهمية نية المؤلف. ففي المقابل، تؤكد المقاربة البنيوية للتناص على الدور المحوري الذي تلعبه نية المؤلف في تشكيل المعنى.

ما هي الميتانصية ؟

الميتانصية هي النوع الثالث من العلاقات النصية التي يتناولها جيرار جينيت، وتشير إلى الإحالة الصريحة أو الضمنية من نص ما إلى نص آخر. يُعرّفها جينيت بأنها العلاقة التي “تربط نصًا معينًا بنص آخر يتحدث عنه، دون أن يقتضي ذلك بالضرورة اقتباسه أو استدعاءه صراحة، بل وأحيانًا حتى دون ذكر اسمه” (المخطوطات: الأدب من الدرجة الثانية). في هذا السياق، يميز جينيت بين نوعين من الإشارات: صريحة وضمنية. فالإشارات الصريحة تكون واضحة ومباشرة، بحيث تُعبّر عن المرجع النصي بطريقة لا تترك مجالًا للبس أو الغموض. أما الإشارات الضمنية، فهي غير معلنة بشكل مباشر، وإنما تُفهم من خلال السياق أو الأسلوب، ويُفترض أن يكون القارئ قادرًا على إدراكها ضمن الإطار الذي تَرِد فيه.

ما هي النصية الفوقية (Hypertextuality)؟
النصية الفوقية هي النوع الرابع من التناص أو العلاقات النصية التي يناقشها جيرار جينيت، وقد تناولها بالتفصيل في كتابه “المخطوطات: الأدب من الدرجة الثانية”. يعرّف جينيت النصية الفوقية بأنها العلاقة التي تربط نصًا لاحقًا (يسمّيه “النص الفوقي” أو (Hypertext) بنص سابق (يسمّيه “النص التحتاني” أو (Hypotext)، وهي علاقة تقوم على التفاعل مع النص السابق بطريقة لا تندرج ضمن نطاق الشرح أو التعليق المباشر. تمثّل النصية الفوقية العلاقة التي يُبنى فيها نص جديد على أساس نص أو نوع أدبي سابق، لكن مع إجراء تغييرات عليه، سواء بالتحوير أو التوسيع أو التعديل أو التهكم، وتشمل هذه العملية أنماطًا مثل: المحاكاة الساخرة (parody)، التقليد الهزلي (spoof)، التتمة (sequel)، أو حتى الترجمة. ويناقش جينيت أيضًا كيف يمكن أن يخضع النص لعمليات تحوير داخلية، مثل الحذف الذاتي (self-expurgation)، أو الاقتطاع، أو الاختزال. على سبيل المثال، يمكن ملاحظة الحذف الذاتي من خلال مقارنة النسخة الأولى المتسلسلة لرواية ما بنسختها النهائية المنشورة، حيث تُحذف أحيانًا أجزاء معيّنة. أما الاقتطاع والاختزال، فيظهران في الأعمال التي تُنشر بعد حذف مواد مثيرة للجدل كانت موجودة في النسخة الأصلية للمخطوطة. يرى جينيت أن جميع النصوص تحمل طابعًا فوقيًا بدرجة ما، إلا أن وجود “نص تحتاني” واضح يمكن أن يكون موضع شك أحيانًا، ما يجعل من الصعب بناء قراءة فوقية على أساسه. ومع ذلك، يؤكد جينيت أن النص الفوقي يمكن أن يُقرأ كعمل مستقل بذاته أو في ضوء علاقته بالنص التحتاني الذي استند إليه.
ما هي النصية المعمارية (Architextuality)؟
النصية المعمارية هي النوع الخامس من التناص أو العلاقات النصية في تصنيف جيرار جينيت، وترتبط بتصنيف النص ضمن نوع أدبي أو أكثر. يُشير جينيت بمصطلح “النصية المعمارية” إلى “مجمل الفئات العامة أو المتعالية – مثل أنماط الخطاب، أساليب السرد، والأنواع الأدبية – التي ينتمي إليها نص معيّن ويُستمد منها.” تتعلق هذه العلاقة ببنية النص من حيث النوع، وتشمل أيضًا التوقعات الموضوعية والتخييلية التي يحملها القارئ تجاه النصوص بناءً على تصنيفها النوعي. بمعنى آخر، فإن النصية المعمارية تُعنى بكيفية وضع النص داخل إطار نوعي (كأن يكون رواية، مسرحية، قصيدة…)، وما يترتب على ذلك من توقعات لدى القارئ بشأن بنيته ومحتواه. ويؤكد جينيت أن أحد الجوانب الجوهرية في هذا النوع من العلاقات هو توقعات القارئ، إذ تلعب دورًا كبيرًا في استقبال النص وفهمه. فطريقة تصنيف العمل الأدبي تُوجّه القراء إلى نمط معين من التلقي، وتؤثر في تفسيرهم للنص بناءً على ما يتوقعونه من خصائص ذلك النوع الأدبي.

زر الذهاب إلى الأعلى