الدكتور ناصر الجندي يكتب “نظريات تربوية غيّرت العالم( من حجر المعلم إلى ذكاء المتعلم 7 )
التعلم الذاتي والتربية التحررية: باولو فريري وصوت المهمّشين(حين يتحول التعليم إلى مقاومة)
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
ما التعليم؟ سؤال بريء بإجابة ثورية
قد يبدو التعليم شيئًا بسيطًا: معلم يشرح، وطلاب ينصتون. لكن في عيون البرازيلي باولو فريري، الأمر أعمق بكثير، بل أخطر: التعليم إما أن يكون أداة لقمع الإنسان أو وسيلة لتحريره.
في زمن الأنظمة الديكتاتورية، كان فريري يعلّم الفلاحين القراءة لا ليمرر حروف الأبجدية، بل ليوقظ فيهم وعيهم. ولدت من تجربته نظرية التربية التحررية، وهي ليست مجرد أسلوب تدريس، بل رؤية للعالم.
من هو باولو فريري؟
ولد عام 1921 في البرازيل، وعاش الفقر والظلم مبكرًا. وعندما بدأ بتعليم الطبقات الفقيرة، اكتشف أن المشكلة ليست في جهلهم، بل في نظام تعليم يجعلهم صامتين. هكذا وضع أسس كتابه الشهير:
“التعليم كفعل تحرري، لا كفعل تلقيني” (Freire, 1970)
نظرية التربية البنكية: التعليم كقمع
وصف فريري التعليم السائد بأنه “تربية بنكية”، حيث يُعامَل الطلاب كأوعية فارغة يودِع فيها المعلم المعلومات:
المعلم يعرف كل شيء، الطالب لا يعرف.
المعلم يتحدث، الطالب يستمع.
المعلم يختار، الطالب يطيع.
هذا النوع من التعليم يحافظ على الوضع القائم، ويُفرّغ الإنسان من فكره وفاعليته.
“حين يصبح التعليم إيداعًا، يصبح العقل سجنًا” (Freire, 1970)
التربية التحررية: المعرفة كحوار وثورة
في المقابل، يدعو فريري إلى تعليم يقوم على الحوار والوعي النقدي، حيث يُشارك الطلاب في بناء المعرفة:
1. التعليم حوار متكافئ: لا معلم يُلقي ومحاضر يُستمع له، بل شركاء في التفكير.
2. الواقع هو المنهج: نتعلم مما نعيشه، من مشكلاتنا، من الأسئلة التي تهمّنا.
3. الهدف هو الوعي بالذات والعالم: ليس النجاح في الامتحان، بل الفهم النقدي للواقع وتغييره.

المعلم التحرري: قائد أم مرافق؟
المعلم هنا ليس مالكًا للحقيقة، بل مرافقًا في رحلة الوعي. دوره هو:
أن يُشعل الأسئلة لا أن يعطي الأجوبة.
أن يساعد الطالب على رؤية العالم بعين ناقدة.
أن يبني الثقة المتبادلة.
“المعلم الحقيقي يتعلّم وهو يعلّم، والمتعلم يتعلّم ليُعلّم” (Freire, 1970)
التعلم الذاتي: التحرر يبدأ من الداخل
في فلسفة فريري، التعلم لا يُفرض، بل ينبع من رغبة ذاتية في الفهم والتغيير. الطالب ليس متلقيًا، بل فاعلًا، يشارك في صياغة الأسئلة، ويبحث عن الإجابات.
ولهذا، فإن التعلم الذاتي ليس مجرد أسلوب، بل موقف وجودي: أن أتعلم لأنني إنسان حرّ.
من الفصول إلى الثورات: أثر فريري عالميًا
استُخدمت نظرياته في تعليم الفلاحين بأمريكا اللاتينية.
تأثر به نشطاء التعليم في جنوب أفريقيا والهند.
ألهمت أفكاره حركات تعليمية بديلة في أوروبا وأمريكا.
منظمة اليونسكو وصفته بأنه: “أحد أبرز مفكري التعليم في القرن العشرين.”
هل تصلح هذه النظرية اليوم؟
رغم أنها ولدت في ظل القمع السياسي، فإن التربية التحررية ما زالت صالحة في زمن:
تغوّل التكنولوجيا.
التعليم القائم على التلقين.
تجاهل صوت الطالب.
في عالم اليوم، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تعليم:
• يعيد للطالب صوته.
• يعلمنا كيف نفكر، لا ماذا نفكر.
• يُربينا لنُغيّر، لا لنُطيع.
التعليم أو الترويض؟
قال فريري: “الحياد في التعليم خرافة. من لا يُحرر يُقيّد.” لذلك، فإن كل صف دراسي هو ميدان مقاومة أو خضوع. فإما أن نُعلّم أبناءنا ليكونوا أحرار الفكر، أو نصنع منهم أدوات في يد السلطة.
التربية التحررية لا تسعى لتخريج متفوقين فحسب، بل مواطنين أحرارًا، قادرين على فهم واقعهم وتغييره.
المراجع :
1. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. Herder and Herder.
2. Shor, I. (1992). Empowering Education: Critical Teaching for Social Change. University of Chicago Press.
3. hooks, b. (1994). Teaching to Transgress: Education as the Practice of Freedom. Routledge.