محكمة الغربان وتحقيق مبدأ العدالة

بقلم: دكتورة فتحية الحنفي

أستاذ الفقه بقسم الشريعة الإسلامية‏ لدى ‏كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر‏

كثيرون يتشاءمون من رؤية الغراب، ربما بسبب لونه الأسود أو نعيقه الحاد، لكننا نؤمن بأن لا طيرَ ولا طِيَرة، فكل شيء يجري بأمر الله ومشيئته. وما لا يختلف عليه اثنان هو أن الغراب كان أول معلم للإنسان في دفن الموتى، كما ورد في قصة قابيل وهابيل، حين بعث الله غراباً ليُري الإنسان كيف يواري سوءة أخيه. غير أن ما قد يجهله البعض هو أن للغربان مجتمعًا منظمًا، يسوده النظام، وتُطبَّق فيه مبادئ العدالة بشكل يُثير الإعجاب.

ففي حال حدوث اعتداء من أحد أفراد السرب على آخر، تُعقَد “محكمة الغربان” في مكان فسيح كأرض زراعية مثلاً، ويتجمع أفراد السرب، ويتواصلون فيما بينهم بأصوات مميزة، لكل منها دلالة محددة، كالإشارة إلى وجود خطر، أو وقوع اعتداء، أو غير ذلك. فعلى سبيل المثال، إذا اعتدى أحد الغربان الكبار على الصغار، أو استولى على طعامهم بالقوة، فإن العقوبة تكون نتف ريشه بمنقار أفراد السرب، حتى يعجز عن الطيران، فيكون عبرة لغيره.

أما إذا قام أحدهم بهدم عش غراب آخر، يُلزم المعتدي بإعادة بناء العش للمُعتدى عليه، مع تعويضه عن الضرر. وفي حال ارتكب أحد الغربان جريمة الاعتداء على أنثى غراب، يُقدَّم للمحاكمة تحت حراسة مشددة، ويقف أمام أعضاء المحكمة صامتًا، وقد خفض جناحيه ونكس رأسه في اعتراف واضح بالذنب.

وعند صدور الحكم، يُنفَّذ القصاص بحقه؛ حيث تتولى جماعة من الغربان تنفيذ العقوبة بالنقر الجماعي حتى الموت. ثم يتقدم غراب آخر، يحفر له حفرة مناسبة، ويضعه فيها، ويهيل عليه التراب، احترامًا لحرمة الموت. حقًا وصدقًا، ما أروع قوله تعالى: “وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء…” [الأنعام: 38]. إنها عدالة الطبيعة، التي أودعها الله في خلقه، لتكون درسًا بليغًا للإنسان في احترام النظام، وتحقيق العدالة، ولو في عالم الطير.

زر الذهاب إلى الأعلى