أشرف زيدان يعرض النقد الاجتماعي والسياسي في رواية “نصف مجهول” للكاتب جمال الجزيرى
دكتور أشرف إبراهيم زيدان
جامعة بور سعيد
نبذة عن الروائي
جمال الجزيري (1973) مبدع من الطراز الرفيع، ناقد بارع، ومترجم فذ لا يُجارى. إنسان نقي يرهقه فساد العالم الذي يسعى دائمًا لكشفه وفضحه في أعماله المتنوعة، دون أن يغفل أبدًا عن إبراز الجوانب الجميلة للحياة رغم قسوتها. بدأت علاقتي بأعمال الجزيري منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما كنت طالبًا في السنة التمهيدية للماجستير بجامعة القاهرة عام 1995. آنذاك، لم أستطع استيعاب أعماله بسبب أسلوبه المعقد جدًا، الذي كان يقوم على إيمان راسخ بأن الإبداع لا يكتمل إلا بقوة اللغة، وتوهج الألفاظ، وشدة الانفعال، وأسلوب عقّادي صارم.
مع مرور الوقت، تغيرت كتاباته إلى الأفضل، فأصبحت كلماته أكثر سلاسة وبساطة في ظاهرها، لكنها أكثر عمقًا في مضمونها، فيما بات أسلوبه شفافًا وعذبًا يلامس الوجدان ويأسر القارئ كالصقر الذي ينقض على فريسته. قد يكون هذا التحول مرتبطًا بطبيعة عمله في التدريس، سواء في مدارس التربية والتعليم أو في جامعتي السويس وطيبة بالمدينة المنورة منذ عام 1995.
الجزيري هو كاتب قصة قصيرة، ومطور لفن الومضة القصصية، وحائز على العديد من الجوائز المحلية والإقليمية. كما أنه صاحب دواوين شعرية ودراسات أكاديمية باللغتين العربية والإنجليزية حول السرد والنسوية والهوية والاغتراب، إضافة إلى إسهاماته الثرية في مجال الترجمة عن الإنجليزية والفرنسية.
أصدر جمال الجزيري نحو عشرين كتابًا مترجمًا من الإنجليزية إلى العربية، معظمها نُشر عن المركز القومي للترجمة، ومن أبرز هذه الأعمال:
• أسطورة بروميثيوس في الأدبين الإنجليزي والفرنسي (جزءان، 2001)
• أقدّم لك الذهن والمخ (2001)
• سحر مصر للرحالة الإنجليز (2002)
• أقدّم لك كافكا (2003)
• أقدّم لك تروتسكي (2003)
• أقدّم لك فرويد (2003)
• أقدّم لك بارت (2003)
• اليهودية أيديولوجية قاتلة: التاريخ اليهودي وسطوة ثلاث آلاف سنة (2003)
• أقدّم لك علم العلامات (2005)
• أقدّم لك الحركة النسوية (2005)
• أقدّم لك ما بعد الحركة النسوية (2005)
• أقدّم لك القتل الجماعي (المحرقة) (2005)
• أقدّم لك التحليل النفسي (2005)
• أقدّم لك النظرية النقدية (2005)
• موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي: الجزء الرابع – القرن الثامن عشر، المجلد الأول (2006)
• رواية السيد (2006)
• موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي: الجزء الثامن – من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية (2006)
• معجم دراسات الترجمة (2007)
• موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي: المجلد الثالث – عصر النهضة (2015)
• موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي: المجلد الرابع – القرن الثامن عشر، الجزء الثاني (2009)
إلى جانب ذلك، قام بمراجعة ثلاثة كتب مترجمة نُشرت عن المركز القومي للترجمة، وهي: فندق الأرق (ترجمة أحمد شافعي، 2004)، وجه أمريكا الأسود: وجه أمريكا الجميل (ترجمة أحمد شافعي، 2005)، ورواية السيد (ترجمة جمال الجزيري ومحمود حسب النبي، 2006).
حصل جمال الجزيري على العديد من الجوائز والتكريمات الأدبية، أبرزها: جائزة المركز الأول في القصة القصيرة من جامعة جنوب الوادي عام 1995، وجائزة ناجي نعمان الأدبية عام 2009، وجائزة عبد الغفار مكاوي للقصة القصيرة عام 2010 عن مجموعته القصصية إغلاق المعابر. كما نال وسام التميز من الدرجة الأولى في كتابة القصة القصيرة على مستوى الوطن العربي لعام 2010 من مجلس الصحافة العالمي، تقديرًا خاصًا لقصته الرئيس الجديد.
نشر بهاء الدين محمد مزيد (أستاذ اللغويات والترجمة-جامعة سوهاج) خمس دراسات تناولت أعمال جمال الجزيري، منها: مدارات السرد في اشتعال الأسئلة الخضراء (2011)، حواشي في رحلات سيدة النهر (2011)، كلمة ونظرة عين: تعليق على ومضة لجمال الجزيري (2014)، وأسماء… أسماء… أسماء: تعليق على ومضة (حصن المعرفة) لجمال الجزيري (2014). كما أصدر دراسة أخرى بعنوان من الخيال القصير إلى الخيال القصير (2015)، التي تستكمل جهوده البحثية حول إسهامات الجزيري الأدبية.
إلى جانب ذلك، كُتبت العديد من الدراسات الأخرى حول بعض أعماله، من أبرزها:
• الزمن والمظهر في مجموعة جمال الجزيري “أولاد الحرام”: تحليل دلالي للزمن الحاضر (2020) لسعدية موسى عمر وأمل عبد العزيز غازي.
• توظيف التراث في سرديات الدكتور جمال الجزيري: “وعيون الغراب تذرف الدموع”، “أطفال غير شرعيين”، و”ما أجمل هذه القيامة” (2020) لنجلاء أحمد حسن.
• إعادة النظر في نسب المؤلف: مشكلة القصص القصيرة جدًا – نهج أسلوبي لغوي قائم على الصرف (2019) لعبد الفتاح عمر، بشير إبراهيم الغايش، ومحمد علي محمد قاسم.
• توظيف التقنيات السينمائية في مجموعة القصة القصيرة جدًا: “فتافيت الصورة” لجمال الجزيري كمثال (2017) بقلم إيمان المالكي.
النقد الاجتماعي والسياسي
يعتمد البناء السردي لرواية نصف مجهول على استكشاف موضوعات الهُوية والذاكرة وقابلية الزمن للتشكّل، إضافةً إلى جوهر الواقع ذاته. كما يدفع القرّاء إلى التشكيك في موثوقية تصوراتهم الخاصة وحدود الفهم البشري. بعبارة أخرى، تعدّ الرواية عملًا خياليًا تجريبيًا يتحدى الأساليب السردية التقليدية، إذ تدعو القارئ إلى خوض عالم تتداخل فيه الحقيقة والخيال، حيث يتشابك الزمان والمكان، ويضفي عدم موثوقية الراوي مزيدًا من التعقيد على الحبكة.
يحفّز هذا النوع من السرد الفكر ويثير المشاعر، مشجّعًا القارئ على استكشاف حدود خياله وفهمه. كما تقدّم الرواية نقدًا لمجموعة من القضايا التربوية والمجتمعية والسياسية والبيئية، متطرّقةً إلى مصداقية وطبيعة المعرفة في عصر ما بعد الحداثة، وصعود أبناء المساليب والرويبضة، واختفاء الطبقات العليا من المجتمع، بالإضافة إلى خيبة الأمل التي أعقبت ثورات الربيع العربي والانحدار نحو ظروف أكثر سوءًا.
تسلط افتتاحية الرواية الضوء بوضوح على طبيعة المعرفة في عصر ما بعد الحداثة، وعلى الطريقة التي بات الطلاب ينظرون بها إلى العلم والتعليم والمعلمين. فقد فقدت المعرفة قيمتها الجوهرية وأهميتها العملية، وتحولت إلى مجرد سلعة تخضع لقوانين السوق والاستهلاك. وفقًا لليوتار، أصبحت المعرفة منتجًا يُعاد إنتاجه لغرض التبادل التجاري، ولم تعد مجرد وسيلة لتحقيق غاية، بل أصبحت غاية بحد ذاتها (حالة ما بعد الحداثة 5).
في هذا السياق، لم يعد الطلاب يعدون التعليم والمعرفة قيمًا متأصلة، بل باتوا يرونهما في المقام الأول أدوات للحصول على فرص عمل أو تحسين فرص الزواج. وأصبح هذا التحوّل أكثر وضوحًا مع توسّع نطاق التعليم، لا سيما بعد تعديل قوانين التعليم لعام 1968، الذي مكّن الأفراد من مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية من الالتحاق بالجامعة وحتى العمل في التدريس، مما شكّل قطيعة مع التصور التقليدي الذي كان سائدًا لدى الطبقات الأرستقراطية. من خلال الحوار الذي تتضمنه الرواية، يسلط الجزيري الضوء على هذه التحولات في نظرة الطلاب إلى المعرفة والتعليم في العالم العربي:
يشير لي شخص من نافذة باب سيارة وهو يُخرج رأسه مبتسمًا، ويبدو أنه يعرفني ويطلب منِّي أن أتوقَّفَ لنتحدَّثَ قليلًا. يهدِّئ الشخصُ الآخر الذي يقود السيارةَ سرعتَها، ولكنه يركب على الرصيف ويُكمل سيرَه ببطءٍ. سيارتي صغيرة ولا تستطيع ركوب الرصيف والسير عليه. لا، لن أسير وراءه. إن كان يريدني فليعدْ إليَّ على قدميه؛ فلا يمكنني أن أسير بسيارتي للأمام وأتوقف في منتصف هذا الشارع الذي أراه طريقًا سريعًا. ها هما يجيئان نحوي. يقولان سويَّا:
– أهلا بك يا دكتور
– أهلا بكما. كيف الحال؟
– يا دكتور، لم نحضر محاضرة الشعر منذ أسابيع.
– هل لديكما عذر كي أشطب لكما الغياب؟
– أي عذر يا دكتور؟ أنت الذي لم تحضر المحاضرة منذ أسابيع.
– نعم!! أي محاضرة؟ أحضر كل محاضراتي بانتظام.
– سلامتك يا دكتور! محاضرة الساعة السابعة والنصف في مبنى 34.
– يا… ما اسمك؟
– اسمي؟ اسمي؟ نحن متأسفون يا دكتور، كنا نقصد الدكتور أبا زياد.
– وما اسمي؟
– كنَّا نظنُّك أبا زياد، فمعه سيارة مثل سيارتك بالضبط.
– أسألُكما: ما اسمي؟
– خلاص يا دكتور بقى، كما تقولون عندكم في مصر. حصل خير.
– خير في سلامة يا دكتور، كما تقولون عندكم في مصر أيضا.
– وسلامة ليس في خير. (الرواية 5-6).
يظهر طلاب اليوم في تناقض واضح مع أسلافهم، وهو تحول يُعزى في المقام الأول إلى النظام الإداري السائد وأولويات الدولة الشاملة. في الماضي، كان الطلاب والمعلمون أشبه بالفرسان في مهمة نبيلة، يسعون بحماس وراء المعرفة في أشكالها المختلفة، مدفوعين بشغف حقيقي لا يقتصر على مجرد الحصول على الشهادات أو تأمين الوظائف. كان طلب العلم يُنظر إليه كغاية سامية بحد ذاتها، تتجاوز الجوانب النفعية للتعليم، حيث انصبّ التركيز على جوهر الحقيقة واستكشاف أبعاد الواقع المتعددة. كان الفضول الفطري يدفعهم لفهم تعقيدات الحياة والمجتمع والكون، مما أضفى على رحلتهم التعليمية طابعًا فكريًا عميقًا.
أما اليوم، فالمشهد مختلف تمامًا. يبدو أن الطلاب المعاصرين أكثر اهتمامًا بالتصورات والحوارات التي تدور حول الحقيقة والواقع، بدلاً من التعمق في جوهرهما. يكمن الفرق في توجههم نحو السطحية، حيث يشاركون في المناقشات والجدالات، لكن غالبًا ما يفتقرون إلى التفاعل العميق والفضول الذي ميّز الأجيال السابقة. والأمر الأكثر إحباطًا هو أن نسبة كبيرة من طلاب اليوم تبدو غير مبالية تمامًا بالمعرفة والمساعي الفكرية. فقد تحوّلت رحلتهم التعليمية إلى وسيلة لتحقيق غاية، مدفوعة بشكل أساسي بالسعي وراء الدرجات العلمية وتأمين فرص العمل، بينما تراجع الشغف الأصيل بالعلم والمعرفة إلى المرتبة الثانية.
يعكس هذا التحول التأثير العميق للتغيرات المجتمعية والإدارية على دوافِع الطلاب وتطلعاتهم. ورغم أن البحث عن الحقيقة والمعرفة لا يزال سعيًا أساسيًا، إلا أنه أصبح محاطًا بسياق تعليمي مختلف، حيث تراجعت القيمة الجوهرية للتعلم أمام اعتبارات أكثر إلحاحًا وواقعية:
هل عدتُ إلى زمن قديم أم أن الزمن القديم جاء إليّ هنا؟ وفي الوقت ذاته أحسُّ بأن هذا السور الذي يحيط بالحديقة هو سور جامعة القاهرة، وأنني أُهِمُّ بالدخول لأقطف من ثمار عِلْمِها. لم أدخلها منذ سنوات طويلة، منذ أن نفّض لي ذلك الأستاذ بيديه مع أنني كنتُ على موعد معه لتسليمه خطة الدكتوراه، ومع أنني كنتُ أنتظره أمام مكتبه منذ ساعات، ومع أنه كان يراني وهو يجلس مع طالبة من طالبات الليسانس لساعاتٍ. وعندما خرجَ من مكتبه وخطوتُ نحوه، أشار لي بيده، قائلا: لستُ فارغًا لك يا سيد. … من أنت أيها المارق حتى تتأفف رئتاك منّا؟ رأيناك بأعيننا وأنت تقف كالكلب حارسًا على باب مكتب السيدة، دون أن تتململ أو تحس بالخزي. (الرواية 23-25)
في هذا المشهد، تتداخل الأزمنة والأماكن، حيث يندمج الحاضر بالماضي، وآسيا بأفريقيا، في امتداد زمني لا يمكن فصله. يتطلب هذا التداخل تركيزًا عميقًا من القارئ، إذ يُحاك المشهد بمهارة، ممزوجًا بين عناصر واقعية وأخرى خيالية. يكشف الراوي عن تفاصيل مختلفة حول نفسه، متتبعًا أحداثًا منسية وفق تسلسل محدد: مسيرته كطالب دكتوراه، شغفه العميق بالتمثيل، رغبته في ترك وظيفته الجامعية، إقامته في ميدان الجيزة، وانفصاله عن شارع فيصل بعد أحداث 25 يناير 2011.
في هذا السياق، يسرد الراوي حادثة محاكمة طالب أهان أستاذه، مستبدلًا اللقب المناسب “أستاذ” بلقب “سيدة” (الرواية 27، 38). من خلال هذا الحدث، تتجلى نية الراوي في تسليط الضوء على بعض الأكاديميين الفاسدين والمستبدين. يوجّه انتقاده لهم جميعًا، مستخدمًا لقب “صاحب السعادة الدكتور” كاستعارة شاملة ترمز إلى أولئك الذين فشلوا أخلاقيًا في المجال الأكاديمي (الرواية 160).
تصوّر الرواية حالة الحيرة التي يعيشها الراوي ورفيقه، مسلطةً الضوء على عبثية الحياة، لا سيما داخل الأوساط الأكاديمية. إلا أن هذه العبثية لا تقتصر على السياق المحلي أو الإقليمي، بل تمتد إلى نطاق عالمي، حيث بات التعليم والمعرفة مجرد سلعة تخضع لسيطرة قوى السوق. لم يعد الطلاب يلتحقون بالمحاضرات أو الندوات الثقافية أو النقاشات الفلسفية بدافع الشغف الحقيقي بالمعرفة، بل بات الهدف الأساسي من التعليم هو الحصول على شهادة تُيسر الزواج أو تؤمّن فرصة عمل، ما أفقد العملية التعليمية جوهرها الحقيقي.
يُعزى هذا التدهور أيضًا إلى غياب الالتزام لدى بعض الأكاديميين، الذين باتوا ينظرون إلى أدوارهم كمجرد وظائف مؤقتة أو وسائل لضمان راتب شهري، بدلاً من اعتبارها رسالة سامية لخدمة العلم والمعرفة. ويتجلى هذا الواقع من خلال تفاعلات الراوي مع أحد الأساتذة البارزين في جامعة مصرية، والذي يُعد مسؤولًا عن إفساد النظام الأكاديمي. فهو يمنح الدرجات العلمية العليا وحتى الأستاذية لأشخاص يفتقرون إلى الكفاءة، بينما يعمل على تهميش العلماء المتميزين ودفعهم إلى مراتب أدنى. وتتمثل المفارقة في أن الجامعة، بدلًا من مساءلته ومحاسبته، تدعمه وتمنحه الشرعية، بينما توجه أصابع الاتهام إلى الراوي، وتوجه له سلسلة من التهم:
هيئة المحكمة أدرى بشعاب القضية، ولا يوجد أحد أكثر عدلًا منها ليتلوا قائمة الاتهامات. سأتلوها بالتفصيل على مسامعكم كي تكونوا شاهدين وعادلين في الإنصات. الاتهام الأول: نشرَ المتَّهَمُ بحثًا عن الرقابة في مجلة في أوكرانيا. الاتهام الثاني: المساس بهيبة المحكمة لأنه لم ينهض من على الكرسي عندما رأى نورَها. الاتهام الثالث: الإساءة إلى المرأة المصرية لأنه خاطب رجلا عفيفا شريفا بالسيدة. الاتهام الرابع: الفهم الحرفي للأسئلة والإجابة عليها إجابات مباشرة لا تستوعب روح المسرح، كما رأيتم جميعا عندما سأله المحقق أول سؤال أمامكم. الاتهام الخامس: الجمود والتزمت وعدم التجاوب مع المحقق عندما طلب منه تغيير اسمه. الاتهام السادس: ينظر إلى اسمه على أنه اسم منزَّه ولا يمكن المساس به، وفي هذا انتحال سلطات ليستْ له. الاتهام السابع: ازدواجية الاسم، فيقول إن اسمه رائد وأمه تناديه بشريف، مما يناقض قواعد البحث العلمي، إذ لا يوجد دليل علمي على وجود علاقة وطيدة بين الريادة والشرف. الاتهام الثامن: هذا الصلف وهذا التزمت وهذا الانتهاك لقواعد البحث العلمي، وكلها لا تؤهله لأن يكون باحثًا عن الحقيقة في دراسته للدكتوراه. الاتهام التاسع: المساس بهيبة المحكمة وهيبة الأساتذة. الاتهام العاشر… قاطعتُه قائلًا: هل هذه اتهامات؟ وهل هي اتهامات تخصني؟ أكمل كلامه، دون أن يلتفت إليّ: الاتهام العاشر: إنكار الاتهامات الثابتة بالضرورة. الاتهام الحادي عشر: الجمع بين سؤالين متناقضين، ففي السؤال الأول ينكر أن الاتهامات اتهامات، وفي السؤال الثاني يثبت أنها اتهامات ويدعي أنها لا تخصه، وهو الأمر الذي يبرهن على وجود خلل في التفكير يستدعي إبعاده عن البحث العلمي بكل أشكاله، لأن شخصًا مختلَّ التفكير هكذا لا يمكن ائتمانه على البحث العلمي في هذا العصر الجديد. ونظر يمينًا ويسارًا، قائلا: ما رأيكما يا قاضيات؟ هزت طالبة الليسانس رأسها بالموافقة، في حين أن الحيرة بدتْ على طالبة الدكتوراه، فنظر إليها نظرةً غاضبةً، قائلًا: ما رأيك يا قاضية؟ ألن تنزلي عليه معنا بالضربة القاضية؟ وانفجر في الضحك، وأخذ يصفق لنفسه، ثم أشار بعصاته إلى الجمهور، قائلا: أين المؤازرة الطلابية؟ هل سأُصَفِّقُ بمفردي؟ (الرواية 34-35)
وهذا يجسد جوهر الرواية، حيث يعكس الواقع الأكاديمي عبثية الحياة على نطاق أوسع، إذ تتلاشى قيمة المعرفة بينما يترسخ الفساد دون حسيب أو رقيب.
تغوص الرواية في تأثير الرأسمالية والاستهلاك على السلوك البشري والعلاقات والقيم، حيث يتحول السعي وراء الثروة إلى المحرك الأساسي للحياة، مما يخلق مجتمعًا يهيمن عليه الجشع على حساب القيم الأخلاقية والروابط الإنسانية الحقيقية. يشكل هذا الطرح تعليقًا نقديًا على التحديات والآثار المترتبة على العيش في عالم تغلب عليه النزعة الرأسمالية المفرطة:
نورٌ هناك على البُعد، سأسير باتِّجاهه، بالرغم من أنني أستمتع بهذا الشعور بالوحدة أو العزلة أو الفراغ.. هل هو شعورٌ بالفراغ أم شعورٌ بأنَّ هذه المدينةَ لي؟ وتقول لي نفسي: اذهبْ إلى ذلك النور؛ فربما تجد شخصًا مثلك وجدَ نفسَه في هذه المدينة المألوفة ويستمتع بالوحدة أو العزلة مثلك.. أراني معلَّقًا في مجزرة، هل أقول في محلِّ جِزارةٍ؟ وأناس كثيرون يلتفُّوَن حَوْلَ.. هل أقول جُثَّتِي؟ لا. هل أقول لحمي؟ لا؛ فأنا معلَّقٌ بشحمي ولحمي وعظامي. ويشير المتحلِّقون حولي نحوَ… سأقول جسمي.. نحو جسمي وكأنهم يَدْعُون عملاءَ أو متسوِّقين للفُرجة أو الشراء. لكنني لا أرى أحدًا من هؤلاء العملاء أو المتسوقين. أرى فقط المتحلقين وأرى أصابعهم وأرى عيونهم التي تمتلئُ بابتسامةٍ أو فرحٍ لا أستطيع أن أحدد طبيعتَه: هل هو تشفٍّ أم انتصارٌ أم مجرَّد روتين؟ وكأنَّ تعليقَ مثلي في محلِّ الجزارة هذا شيء طبيعيّ! (الرواية 152، 154)
ورغم استمتاعه بالوحدة والعزلة، يختار الراوي الانطلاق في هذه الرحلة نحو ضوء بعيد، وكأنه يبحث عن رفيق يشاركه رغبته في التواصل، أو وسيلة لترميم شظايا وجوده، أو تفسير للتحول الغامض للمياه إلى ظل أحمر مخيف ينذر بموجة لا حصر لها من الكوارث. إلا أنه، وعلى عكس ما كان يأمل، يجد نفسه ليس مرشدًا، بل محاصرًا في دوامة متزايدة من الشكوك والغربة والحيرة، تغلفها رؤية قاتمة وسخرية متصاعدة. يتحول ذلك الضوء الذي كان يومًا ما منارة أمل إلى فخ يوقعه في متاهة من الارتباك: “فيبدو أنَّهم يحفظون مكانَ جسمي جيِّدًا بحيث لا يحتاجون أن يروني كي ينهالوا عليّ بسكاكينهم” (الرواية 155).
في الرواية، تعزز الإشارة إلى أسطورة أورفيوس فكرة أن التضحية من أجل الآخرين غالبًا ما تقابل بالجحود والرفض وقطع الروابط الأسرية، مما يجعل هذه التضحيات تبدو في النهاية بلا جدوى. كذلك، يستعين السرد بأسطورة العم بشارة لتسليط الضوء على عبثية السعي وراء هدف يبدو بعيد المنال، كما يتجلى في المقطع: “لماذا لا يريد هذا الزير أن يمتلئ؟ ها أنا منذ شهور أحمل الماء في القِربة من أرضي إلى هذا الزير ولا تبقى فيه قطرة ماءٍ واحدة” (الرواية 147). يعكس هذا المشهد التناقضات العاطفية للبطل—ما بين جاذبية العزلة والانطواء، والرغبة في التغيير والتواصل التي يرمز إليها الضوء البعيد، وبين الشعور بالفخ والعجز. إنه يقدم صورة نابضة بالحياة لحالة الاضطراب الداخلي وتعقيد المشاعر والرغبات البشرية.
تتحدى حركة ما بعد الحداثة فكرة أن النص هو نتاج مؤلف يمتلك حقوقًا حصرية في الأصالة أو الحقيقة المطلقة، مما يقلل من سلطة المؤلف ويؤكد على استقلالية النص بمجرد انفصاله عن مبدعه:
ظهر مفهوم “النهايات” لأول مرة مع هيغل، وتبناه لاحقًا بعض أتباعه. وقد عبّر إريك فايل عن هذه الفكرة بقوله: “لقد وضع هيغل بداية النهاية للفلسفة”، بينما أعلن شبنجلر بوضوح عن تراجع وانهيار الحضارة الغربية. ساهم نيتشه في هذا الطرح بإعلانه “موت الله”، وهو موضوع اكتسب أهمية متزايدة في النقاشات الفلسفية الغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ناقش بنيامين نهاية الفن في عصر الإنتاج الآلي، بينما بنى هايدغر مشروعه الفلسفي على تفكيك الميتافيزيقا. في السياق ذاته، أعلن بارث “موت المؤلف”، وكتب فوكوياما عن “نهاية التاريخ”، وأعلن فوكو عن “موت الإنسان”، في حين استكشف رورتي أفول الفلسفة. وعلى خطى هؤلاء، سعى فاتيمو إلى بلورة ظاهرة ما بعد الحداثة فكريًا عبر خمسة مبادئ رئيسية: تراجع الفن، موت النزعة الإنسانية، العدمية، استنتاج التاريخ، وتجاوز الميتافيزيقا (بدر الدين مصطفى 30).
يبرز والد الراوي كارثة التلوث من خلال مقارنة مجازية بين الوضع الحالي والبحر الأحمر في حالته البكر، حين كانت مياهه صافية وشعابه المرجانية تزخر بالحياة. وفي هذا السياق، ينصح والده أطفاله بضرورة توخي الحذر والمحافظة على جمال الطبيعة، حتى أثناء وجودهم في قريتهم أو بيئتهم المحيطة:
أقترب من النهر وأتناول إحدى الأواني الفخارية التي يبدو أن صاحبتها غسلتها وتركتها بجانب النهر لتجف. سطح الماء مغطى بأوراق الشجر الجافة الصفراء والحمراء، مما يعطي الانطباع بأن مياه النهر التي كانت تتدفق ذات يوم أصبحت نادرة وقديمة. يفتقر الماء إلى القوة اللازمة لجرف كل الأوراق الصفراء والحمراء التي تملأه بالتعفن والاحمرار. بينما أملأ الإناء الطيني بالماء، تجد العديد من الأوراق طريقها إليه. أسكب الماء مرة أخرى في النهر وأزيل الأوراق من حيث تملأ الإناء، لكن بعض الأوراق العنيدة لا تزال باقية. يقول والدي بجهد: هذا هو البحر الأحمر [يقصد نهر النيل] يا بني. لعنة الله على فنجارية البقاق وتقي الحنك والعاجزين، كلهم في وقت واحد. “أعطوني الإناء” … حتى الماء الارتوازي الذي يخرج من عمق الأرض أحمر! هل تتخيلون شيئاً أشد حمرة من ذلك؟ … تعتقدون أن عدم وجود سنابل في القمح ظاهرة منطقية! (الرواية 132، 134، 177)
يقدم هذا المقتطف وصفًا حيًا وشاعريًا لمجرى مائي ملوث، مسلطًا الضوء على التدهور البيئي الذي أصابه. يمثل المشهد نقدًا واضحًا للتلوث وآثاره على مجرى كان نقيًا ذات يوم. يُضفي تصوير المجرى المغطى بأوراق جافة صفراء وحمراء لمحة عن جماله السابق وحيويته المفقودة، بينما يرمز تراكم الأوراق ولون المياه المحمر إلى الأثر المدمر للتلوث.
تشير الإشارة إلى ندرة المجرى وقدمه إلى أن التلوث قد أخل بتدفقه الطبيعي، وهو تأثير شائع للملوثات التي تعيق تدفق المياه وتؤثر سلبًا على النظم البيئية المائية. كما أن إعادة تصريف المياه الملوثة في المجرى تعكس الطبيعة الدورية للتلوث، موضحةً كيف يمكن أن يستمر ويتفاقم بمرور الوقت ما لم يُتخذ إجراء لمعالجته.
تؤكد المقارنة بين البحر الأحمر والمياه الارتوازية ذات الصبغة الحمراء على خطورة التلوث، حيث أصبح واضحًا بشكل يجعله ينافس أشهر المسطحات المائية المعروفة بلونها الأحمر. أما الإشارة إلى “القمح الخالي من السنابل”، فهي استعارة تعكس عبثية التلوث وعدم جدواه، وتعبّر عن كيفية اختلال التوازن الطبيعي بسبب الممارسات البيئية الضارة.
في مجمله، يقدم هذا المقطع نقدًا قويًا للتلوث، مسلطًا الضوء على آثاره السلبية على البيئة والصحة البشرية والجمال الطبيعي. كما يشدد على أهمية معالجة هذه المشكلة وحماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
علاوة على ذلك، يؤكد المتحدث أنه إذا كانت الحكومة جادة في إحداث تغييرات إيجابية، فإنها تملك القدرة على تحقيق ذلك. ومع ذلك، يبدو أنها تختار إبقاء المواطنين منشغلين بصراعاتهم اليومية، مثل تأمين لقمة العيش، والتعامل مع المشكلات الصحية، وإدارة التحديات الشخصية. وقد يكون هذا نهجًا مقصودًا يهدف إلى صرف انتباه الناس عن مساءلة السلطة أو التعبير عن احتجاجهم:
انظروا إلى البحر الأحمر. أفهم من كلامه أنه يريدنا أن نقارن بين الوضع الحالي وحالة البحر الأحمر المشهور بنقاء مائه وبِشُعَبِه المرجانية، وكأنَّ أبي يلفتُ انتباهَنا إلى الابتعاد عن الطبيعة مع أننا الآن في وسط قريتنا. أقول: لو كانت الحكومة تريد أن تغيِّرَ شيئًا لغيّرتْه، ولكنها تريدُنا أن ننكفئ على لقمةِ عيشنا وأمراضِنا ومشاكلِنا حتى لا نرفعَ رؤوسَنا. أحسُّ بأن أخي الأكبر الذي يجلس على الكرسي الذي وراء خلف ينظر إليّ ويبتسم. أنظر إليه. يضع يده على رأسه ويبتسم ابتسامة أحسُّ بأنها مُرَّةٌ مع أنَّه يحاولُ أن يجعلَها صافيةً. أسألُه: هل بك شيء؟ يقول لي: لا شيء. كلامك منطقيّ. (الرواية 129-30)
باختصار، تعكس الكلمات دعوة إلى تقدير جمال الطبيعة والحفاظ عليه، حتى في البيئات المألوفة. كما تعبر عن نظرة متشككة تجاه نوايا الحكومة، مشيرة إلى أنها قد تفضل الإبقاء على الوضع الراهن بدلًا من إحداث تغيير حقيقي، من خلال استخدام عوامل تشتيت تصرف الانتباه عن التفكير العميق أو النقد.
تنتقد الرواية أيضًا نفاق بعض الفنانين، حيث قد يجد ممثل يجسد شخصية تنادي بالتغيير الاجتماعي نفسه في موقف يفرض عليه دعم الوضع الراهن:
التمثيل شيء جميل، يجعلك تعيش حياة عشرات الأشخاص غيرك وتحسُّ بهم وتتفهّم موقفهم، ويجعلك تحسُّ بالامتلاء والتنوُّعِ ورفاهية الخيارات، ودعْكَ من الممثلين الذين لا يستفيدون شيئًا من الأدوارِ والمواقفِ التي يشخِّصونها في أفلامِهم ومسرحيّاتِهم ومسلسلاتِهم، فعندما يتطلّبُ الواقعُ منهم أن يتّخذوا موقفًا مشابهًا لما كانوا يشخّصونه ينقلبون على أنفسهم وعلى الأرض ذاتها، وتجد المواقف التي يتخذونها في الواقع متعارضة تمامًا مع ما كانوا ينادون به وضد التغيير الذي كانوا يسعون لتحقيقه من خلال أعمالهم الفنية. (الرواية 122)
وأخيرا، يستحضر الراوي رواية مزرعة الحيوانات لجورج أورويل ليعكس المستقبل المجهول، وخيبات الأمل التي أعقبت الثورات العربية، وظهور شكل أكثر رعبًا من الفاشية، إضافة إلى تآكل نزاهة وسائل الإعلام والعبثية الكامنة في الحياة. ويعلق قائلاً: ” يقاطعني ويقول على طريقة جورج أورويل في رواية مزرعة الحيوانات: ولكن بعض البط أكثر سواسية من بعضه الآخر” (الرواية 123).