فتربصوا حتى يأتي الله بأمره

بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا، ثم اما بعد، إن محبة الرسول المصطفي محمد صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الدين، فلا إيمان لمن لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، حيث قال الله تعالى في سورة التوبة ” قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين” ويقول القاضي عياض في شرح الآية أنه كفى بهذا حضا وتنبيها ودلالة وحجة على إلزام محبته.

ووجوب فرضها، وعظم خطرها، وإستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم إذ قرّع الله تعالي من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وتوعدهم بقوله تعالى ” فتربصوا حتى يأتي الله بأمره” ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله، وقال الله تعالى في سورة الأحزاب “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم” وقال النبي صلى الله عليه وسلم “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين” وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم ” والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده” وعن عبد الله بن هشام قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ” لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك”

فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم “الآن يا عمر” وإن من أصول الإيمان وركائزه الرئيسة، هو الإيمان بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وسلامته من الكذب أو البهتان، وتصديقه في كل ما أخبر من أمر الماضي أو الحاضر أو المستقبل، فقال الله تعالـى ” والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى” والجفاء كل الجفاء، بل الكفر كل الكفر إتهامه وتكذيبه فيما أخبر، ولهذا ذم الله تعالي المشركين بقوله تعالي كما جاء في سورة يونس.

” وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين، أم يقولون إفتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من إستطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ” ومن لطائف هذا الباب التي تدل على منزلة الشيخين الجليلة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبها حتى إستنقذها، فالتفت إليه الذئب، فقال له من لها يوم السبع ليس لها راع غيري؟ وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلمته فقالت إني لم أخلق لهذا، ولكني خلقت للحرث، فقال الناس سبحان الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم، فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما،

وإن الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته، آية عظيمة من آيات المحبة والإجلال، حيث قال الله تعالى ” للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون” ولقد سطر الصحابه رضي الله عنهم أروع الأمثلة وأصدق الأعمال في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفدائة بالأموال والأولاد والأنفس، في المنشط والمكره، في العسر واليسر، وكتب السير عامرة بقصصهم وأخبارهم التي تدل على غاية المحبة والإيثار، وما أجمل ما قاله أنس بن النضر يوم أحد لما إنكشف المسلمون ” اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد، فقال يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس بن مالك فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه.

زر الذهاب إلى الأعلى