اللا سوية الخفية: حين يختبئ الخلل خلف الابتسامة

اللا سوية الخفية .. نجلاء البنداري

بقلمي ✍️ نجلاء البنداري

نحن نحب أن نُصنف الناس سويّ ، غير سوي .. طبيعي ، غير طبيعي .. وكأننا نحمل في جيوبنا مقياسًا نزن به النفوس والعقول لكن ماذا لو كانت اللا سوية ليست مرضًا واضحًا بل قناعًا شفافًا لا يُرى بسهولة؟ ماذا لو كانت اللا سوية تعيش بيننا تبتسم ، تضحك ، وتتحدث بلطف… لكنها تؤذي في صمت؟

الناس الغير سوية ليسوا فقط أولئك الذين يصرخون في الشوارع أو يُحدّقون في الفراغ .. أحيانًا يكونون الأكثر تهذيبًا والأكثر قدرة على التلاعب بالمشاعر تجدهم يُجيدون لعب دور الضحية حينًا ودور المُنقذ حينًا آخر لكن خلف تلك الأقنعة تقبع قلوب مشوشة ونفوس تائهة.

خذ مثلًا:
رنا كانت دائمًا تسمع من صديقتها المقرّبة كلامًا مثل “أنا بقولك الكلام ده علشان بحبك” ثم تبدأ سلسلة من التعليقات السامة: “الستايل ده مش لايق عليكي”، “هو إنتي فكرًا نفسك شاطرة كده؟” ، “أنتي طيبة زيادة وهيضحكوا عليكي”.. الكلام بيجي في صورة حرص لكنه بين السطور مليان تقليل وتهديد خفي للثقة بالنفس ورغم إن رنا كانت بتحس بالألم كانت بتقول لنفسها: “بس هي بتحبني وعايزة مصلحتي”.

وفي مثال تاني:
مروان موظف شاطر اتعرض لحرب نفسية في الشغل من زميل دايمًا يظهر إنه داعم له قدام المدير لكن في الكواليس كان بينقل كلام ويفسر تصرفاته بشكل سيئ علشان يوقعه ، مروان ما كانش فاهم ليه بيخسر فرص رغم اجتهاده لحد ما اكتشف إن “الصديق اللطيف” هو سبب كل تعبه اللي بيروح هدر.

المشكلة إن اللا سوية لا تُقاس بالمنطق فقط، بل بالإحساس. بعض الناس لا يرتكبون جرائم لكنهم يقتلون المشاعر ، لا يسرقون المال لكنهم يسلبون الثقة ، لا يكذبون في الظاهر لكنهم يخدعون بحرفية.

اللا سوية قد تنشأ من طفولة مضطربة ، من بيئة مفخخة بالصراعات أو من خيبات متكررة لم تجد من يحتويها لكنها أحيانًا تكون خيارًا نعم، خيارًا حين يقرر الإنسان أن يؤذي ليرتاح أن يخون ليتوازن، أو أن يستغل ليشعر بالقوة.

السوي الحقيقي هو من يعترف بضعفه ويطلب المساعدة ويحاول أن يتغير ، أما الغير سوي فهو من يتمادى في أذيته ويُلبسها ثوب المنطق أو الحق.

فلنحذر من اللا سوية المقنعة فهي الأخطر لا تُعلن وجودها لكنها تُفسد الحياة في صمت.

زر الذهاب إلى الأعلى