سلسلة مقالات: التربية على حافة المستقبل – رؤى غير مألوفة لإعادة صياغة التعليم (٨)
التعلم بالغرائز – العودة إلى جذور التعليم البدائية لتحدي الحاضر
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
غريزة التعلم – جذور منسية في قلب الحضارة
في أعماق الغابة، قبل أن تُخترَع اللغة، كان الطفل البشري يراقب حركات أمه، يقلّد أباه في نصب الفخاخ، يركض وراء الحشرات، ويصرخ بفرح عندما يكتشف أن حجرًا معينًا يُصدر شرارة. لم يكن ثمة منهج دراسي، ولا معلم يشير إلى السبورة، ولا امتحان يقرر مصيره. ومع ذلك، تعلّم. لم يكن التعليم خيارًا، بل غريزة. لم يكن مرتبطًا بالفصل الدراسي، بل بالحياة. والسؤال الجريء الذي تطرحه هذه المقالة هو: هل يمكن أن نستدعي هذه الغريزة البدائية اليوم، ونبني عليها نموذجًا تربويًا يتحدى منظومات التعليم الراهنة التي أنهكتها البيروقراطية وانفصلت عن الطبيعة الإنسانية؟
التعلم كفطرة بيولوجية: التعليم سابق على الحضارة
التعلم ليس ابتكارًا حديثًا. إنه قدرة فطرية تطورت عبر مئات الآلاف من السنين، شكلتها الحاجة إلى البقاء، والرغبة في الفهم، والسعي إلى الانتماء. ما يُعرف اليوم في علم النفس بـ”الدافعية الذاتية” أو “التحفيز الداخلي” هو امتداد مباشر لما كانت تفعله الغريزة البشرية الأولى حين كان الإنسان يتعلم عبر التفاعل المباشر مع بيئته.
تشير أبحاث Jean Piaget (1952) إلى أن الأطفال يخلقون معرفتهم من خلال التفاعل النشط مع محيطهم، لا من خلال التلقين. التعلم، إذًا، هو فعل حيوي لا يحتاج إلى أمر أو إذن؛ إنه ينبثق من الداخل، مدفوعًا بالفضول والدهشة، مثلما يولد الطائر مدفوعًا بالطيران.
عصر ما قبل المدرسة: كيف تعلم الإنسان بلا معلم؟
تاريخيًا، اعتمد الإنسان على الغرائز لاكتساب المهارات. لم تكن هناك حاجة إلى دروس في الصيد أو إشعال النار أو تتبع آثار الحيوانات؛ كان الطفل يراقب، يحاول، يخطئ، ثم ينجح. كان الفشل جزءًا من المنهج. كان اللعب وسيلة للتجريب، وكان الخوف محفزًا للتعلم.
كتب John Holt (1983): “الطفل يتعلم أكثر حين يكتشف العالم بحرية، دون أن يُطلب منه أن يتعلم”، وهو قول ينسف جوهر الكثير من الممارسات التعليمية المعاصرة التي تُقحم الطفل في بيئة جامدة ومجردة من المعنى الشخصي.
أزمة التعليم المعاصر: كبح الغريزة الفطرية
لقد شوهت النماذج المدرسية الحديثة هذه الفطرة الطبيعية. حين يُطلب من الطفل أن يجلس في صف منظم، أن يصمت، أن يكرر ما يُقال له، أن يخضع لامتحانات تقيس القدرة على الحفظ أكثر مما تقيس الفهم، فإننا لا نعلمه بل نُطفئه. نحن نفصل الطفل عن البيئة، عن الجسد، عن الغريزة، ونتعامل معه كما لو كان جهازًا قابلًا للبرمجة.
وهنا تكمن الأزمة: كيف نُحيي غريزة التعلم في نظام مصمم لخنقها؟
فلسفة تربوية بديلة: التعلم انطلاقًا من الداخل
الإجابة قد تكمن في إعادة النظر في فلسفة التعليم نفسها. فبدلاً من أن نرى المدرسة كمصنع لإنتاج المعرفة، يجب أن نراها كمختبر حي للتجربة والاكتشاف.
تشير أبحاث Immordino-Yang & Damasio (2007) إلى أن التعلم الفعّال لا يتم إلا حين يرتبط بالانفعال، أي عندما يشعر المتعلم أن ما يتعلمه يعنيه ويمسه عاطفيًا. والعاطفة، بدورها، هي ابنة الغريزة.

مدارس الغابة والنماذج البديلة: محاكاة فطرية للتعلم
هنا تظهر أهمية النماذج البديلة مثل “مدارس الغابة” (Forest Schools)، التي تتيح للأطفال التعلم في بيئة طبيعية من خلال اللعب الحر، والتفاعل الحسي مع الطبيعة، والمجازفة المحسوبة.
هذه النماذج، كما توضح Knight (2016)، تعزز ليس فقط المعرفة الأكاديمية، بل كذلك المهارات الحياتية مثل التكيف، والصبر، والعمل الجماعي، والشجاعة. وكذلك الأمر في فلسفة ريچيو إميليا، التي ترى في كل طفل كائنًا مبدعًا بطبيعته، ومتعلمًا فطريًا لا يحتاج إلا إلى مساحة آمنة وثقة كي يطلق العنان لقدراته.
الغريزة والتعليم الرقمي: كيف توظف التقنية لصالح الإنسان؟
التعلم الغريزي لا يعني التخلي عن التنظيم، بل عن التلقين. لا يعني رفض التقنية، بل إعادة توظيفها في خدمة الحواس والحدس. إنه دعوة لتصميم بيئات تعليمية تستجيب لاحتياجات الطفل الداخلية، بدلاً من فرض مسارات خارجية عليه.
في عصر الذكاء الاصطناعي، يمكن بناء أدوات تعليمية تتبع إيقاع الطفل الخاص، وتفتح له مسارات متعددة للتعلم حسب طبيعته الفطرية، لا حسب معايير التصنيف الموحدة.
احترام كينونة الطفل: التعليم من الداخل إلى الخارج
في جوهر هذا النموذج، هناك احترام عميق لكينونة الطفل. ليس ككائن ناقص يجب ملؤه بالمعلومات، بل ككائن حيّ يملك من الداخل شرارة التعلم. ما يحتاجه الطفل ليس أكثر معلومة، بل مساحة آمنة ليتلمس الطريق، ليجرب، ليخطئ، ليفرح بالاكتشاف.
التعليم الغريزي لا يُملى، بل يُكتشَف. لا يُخزَّن في الذاكرة، بل يتجذر في الجسد والعاطفة والتجربة.
ولعلنا هنا نعود إلى ما قاله Lev Vygotsky: “التعلم لا يسبق النمو، بل ينشأ من داخله” (Vygotsky, 1978). وهذا يعني أن أي تعليم لا ينبثق من الدوافع الفطرية للطفل سيظل هشًا، مؤقتًا، وعاجزًا عن بناء عقل متكامل قادر على التعامل مع تعقيدات العالم.
الغريزة كخارطة طريق تربوية
ما نحتاجه اليوم هو أن نثق أكثر في الطفل، في فضوله، في إبداعه، في لعبه، في أسئلته. نحتاج أن نتحرر من وهم السيطرة على العملية التعليمية، ونعود إلى الإيقاع الطبيعي للتعلم، كما عرفه الإنسان قبل آلاف السنين.
وفي زمن يزداد فيه التسارع التكنولوجي، والتعقيد الاجتماعي، والتشظي النفسي، ربما تكون الغريزة هي الخيط الوحيد المتبقي الذي يمكننا أن نتمسك به كي لا نفقد بوصلة التعليم. إنها تذكّرنا بأن التعلم ليس مشروعًا صناعيًا، بل رحلة وجودية، فيها الفرح والخوف، فيها المغامرة والاندهاش، فيها الحياة بكل معانيها.
العودة إلى الجذور ليست رجعية، بل ثورية. إنها محاولة لصياغة مستقبل تربوي أكثر إنسانية، يبدأ من الداخل، من نبض الغريزة، من السؤال الأول: “ماذا يحدث إذا فعلت هذا؟” — سؤال لا يزال يحمل إمكانات لا نهائية.
المراجع:
1. Gray, P. (2013). Free to Learn: Why Unleashing the Instinct to Play Will Make Our Children Happier, More Self-Reliant, and Better Students for Life. Basic Books.
2. Holt, J. (1983). How Children Learn. Delacorte Press.
3. Immordino-Yang, M. H., & Damasio, A. (2007). We Feel, Therefore We Learn: The Relevance of Affective and Social Neuroscience to Education. Mind, Brain, and Education, 1(1), 3–10.
4. Knight, S. (2016). Forest School in Practice: For All Ages. SAGE Publications.
5. Piaget, J. (1952). The Origins of Intelligence in Children. International Universities Press.
6. Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.