
ما لم تجانسه لا تجالسه
بقلم: د. أحمد أحمد عبده – قسم مقارنة الأديان، جامعة الزقازيق
كنتُ أتنزّه في “حديقة المعرفة”، أتجوّل بين رياض التراث، ألتمس رقائق القلوب، أو قبسًا من الحكم، أو لمحاتٍ من الأنابيش، فإذا بعيني تقع على أقصوصة شعرية بديعة، بل موعظة خالدة تُكتب بمِدادٍ من ذهب. لامست قلبي، ووافقت عقلي، واستقرت في وجداني. كتب أحد الشعراء بيتًا بصيغة تساؤل، وانتظر من يجيبه، فلم يجد جوابًا يُشفي الغليل… حتى جاء شاعر موهوب، طحنته التجارب، وغسلته الأيام، فكتب ردًّا صادقًا فيه من الحكمة ما يُغني عن كثير من المواعظ. قال “: من لم تجانسه فاحذر مجالسته… ما ضرّ الشمعَ إلا صحبةُ الفتيل.” وهنا تتجلى الحقيقة: ما أذاب الشمع إلا احتراق الفتيل في جوفه، إذ ليس من جنسه، ولا يشبهه. فالعِشرة لا تليق إلا بمن يُشابه أرواحنا، ويُلامس نقاء نفوسنا. من يُشبهك في الأصل، والمروءة، والرجولة، والثقافة، ونقاء السريرة، وسلامة الفطرة. فإذا عاشرت مَن يشبهك، عِشتَ هانئ البال، مستقر الروح.
أما إن خالطتَ من لا يمتّ إليك بصِلة، فقد تكون كالشمع الذي ذاب لأنه جالس من ليس من طينته، فكان الذوبان والتلاشي أسرع إليه. قالت العرب قديمًا: “لا تطعن في نظيف الشرف، ونظيف السمعة، ونظيف اليد. ولا تحامل قليل العقل، ولا تُشاور ضعيف الشخصية، ولا تُجادل جاهل السن قليل التجارب، ولا من ضعف علمُه وعقله وبصيرته.”
في محطات حياتي، قابلتُ الحاسد والحاقد، والجاهل بخبايا الأمور، والموتور بخبث النفس، ومن لا يثق في ذاته، ولا يعرف من العلم إلا رسمه… فلم أُعِرهم انتباهًا، ولم أسمح لهم أن يُشوهوا نفسي التي طالما تاقت إلى العلا، واشتاقت لأيام المصطفى صلى الله عليه وسلم في مدينته الطاهرة. هذه النفس التي وهبها الله سلامًا داخليًا أحمده عليه، ونفحاتٍ من الصالحين لا تُشترى بثمن. لم أعبأ بمن أساء، وأحسنت الظنّ بالله دائمًا، ورضيت بقضائه، فكان العوض جزيلًا في دنياي، وأسأل الله أن يكون أوفى في آخرتي.
فالوجع الحقيقي لا يُكتب بقلم، ولا يُقال بكلمات، بل يَظهر في لمعة عين حارّة، أو نبرة صوت متهدجة. ولم أكن يومًا سببًا في كسر خاطر أحد، لأنني أعلم أن كسر الخاطر لا تُجبره مفردات الدنيا، ولا عبير كلماتها. فكنت كالأُترجة، أنثر عبير الفعل الطيب على الجميع.
قابلت أناسًا عطّروا حياتي بالجمال، وأبهجوا أيامي بصحبة راقية، حانية، صافية. وجدتهم مجتمعين في دوحةٍ مباركة، بعيدة عن حقد البشر وترهات الخلق، لأنهم يملكون سلامًا داخليًا، ومعدنًا أصيلًا. في تلك الدوحة، التقيت بمعالي الأستاذ الدكتور محمد محمود أبوهاشم، سليل الصالحين، له العطر الفوّاح في دنيا البراءة والتسامح والعطاء والجلال. سلّمت عليه مرددًا: “أحبّ الصالحين ولستُ منهم…” ثم التقيت بمعالي المستشار مستر رجب العايدي، مستشار اللغة الإنجليزية، الذي يُشبهنا في رقي كلامه، وفي استغنائه عمّا في أيدي الناس، فكان محبوبًا لعفته، وحفظه للتراث، وعلمه الغزير، ونقائه الداخلي.
ثم خطر ببالي الوجه الضاحك البشوش، سليل بيت النبوّة، معالي الدكتور نور هاشم، عضو البرلمان، الذي تشعر بالأمن والأمان في حضرته. لا غرابة، فهو من معدنٍ طيب، وأصلٍ راسخ. وكذلك معالي الدكتور محمد الصالحي، عضو البرلمان المصري، صاحب الكرم والجود والبذل لكل من يعرفه، فهنيئًا لدائرته به.
ثم هناك من يشبهني في الهمّ والمنطق والمعيشة، مستر أحمد ماهر، خبير اللغة العربية، الذي يسعى على رزقه آناء الليل وأطراف النهار، رمز الرجولة، والصداقة، والأخوّة، يدافع عن سميّه دفاع المستميت، لأنه آمن به وبقوله، فبادله الحب والوفاء.
وأخيرًا، على باب الدوحة، رأيت باسم الثغر، كريم النفس، أصيل الجذور، معالي الدكتور أمين منصور، مدير عام إدارة شرق الزقازيق التعليمية، ريحانة من ريحان التربية والتعليم في الشرقية. ثم رأيت من بعيد فارسًا يترجل عن فرسه، ليصافح من يحبونه ويبادله الناس الودّ والاحترام، معالي المهندس محمد فؤاد الرشيدي، وجه مشرق من وجوه التعليم في مصر. اقتربتُ منه، فوجدته رمزًا للأصالة والأناقة، وعندما ناقشته، وجدته عقلًا علميًا متفتحًا، وروحًا محبّة للناس.
وأقول ختامًا: اللهم أطل أعمار من يُشبهوننا، ومن يسكنون أرواحنا بسكينتهم، ونفوسهم بأصالتها، فهؤلاء هم الزهراء في بستان الدنيا، وهم البلسم في زمن الجفاف.