الدكتور ابراهيم زيدان يكتب عن موضوعات الأدب في العصر الفيكتوري
رؤية و تحقيق : الدكتور أبراهيم زيدان
من أبرز الموضوعات التي تناولها الأدب الإنجليزي في العصر الفيكتوري:
• الصناعة: تقدم أم تدهور؟
• قضية المرأة ودورها في المجتمع
• الصورة التصويرية في الشعر الفيكتوري
• الإمبريالية في العصر الفيكتوري
تقديم
في عام 1897، زار مارك توين لندن خلال احتفالات اليوبيل الماسي التي أقيمت بمناسبة الذكرى الستين لجلوس الملكة فيكتوريا على العرش. وعلّق توين قائلاً: “يمتد التاريخ البريطاني عبر ألفي عام، لكن حقق العالم تقدماً في كثير من المجالات منذ ولادة الملكة أكثر مما تحقق في الألفي عام الماضية مجتمعة.” يجسد هذا التصريح الإحساس بالتحولات الهائلة التي ميزت العصر الفيكتوري. ولعل أبرز هذه التغيرات هو الانتقال من نمط حياة يعتمد على ملكية الأراضي إلى اقتصاد حضري حديث يعتمد على التجارة والتصنيع.
مع بداية العصر الفيكتوري، كانت الثورة الصناعية قد أحدثت تغييرات اقتصادية واجتماعية عميقة. ومن أبرز نتائجها الهجرة الجماعية للعمال إلى المدن الصناعية، حيث استقروا في أحياء حضرية فقيرة نشأت حديثاً. ومع ذلك، لم تكن التحولات التي أحدثتها الثورة الصناعية سوى جزء من التغيرات الجذرية التي شهدتها بريطانيا في منتصف وأواخر القرن التاسع عشر. شملت هذه التغيرات توسيع حق الانتخاب وما ترتب عليه من تعزيز الديمقراطية، وتحديات جديدة للإيمان الديني بسبب التقدم في المعرفة العلمية، ولا سيما نظرية التطور، بالإضافة إلى التحولات في دور المرأة في المجتمع.
تركت كل هذه القضايا والجدالات المحيطة بها بصمتها على الأدب الفيكتوري. ومع ازدهار الصحف والدوريات، أصبحت النقاشات حول القضايا السياسية والاجتماعية جزءاً أساسياً من تجربة القراء. أبرزت الرواية الفيكتورية، التي ركزت على التصوير الواقعي للحياة الاجتماعية، العديد من القضايا المحورية في ذلك العصر من خلال شخصياتها وقصصها. بالإضافة إلى ذلك، أثرت النقاشات حول التمثيل السياسي، بما في ذلك توسيع حق التصويت وحقوق المرأة، على الأدب، حيث سعى الكُتاب إلى منح صوت لمن ظلوا مهمشين لفترة طويلة.
يتناول القسم المعنون “القضايا الفيكتورية” نصوصًا تتعلق بأربع قضايا كانت محل اهتمام الفيكتوريين: التطور، والصناعة، وما يُعرف بـ “فضية المرأة”، وهُوية بريطانيا العظمى كإمبراطورية. يقدم هذا الجزء أيضًا نصوصًا إضافية تتناول ثلاثة من هذه الموضوعات: الجدل حول فوائد الثورة الصناعية وأضرارها، والنقاش حول طبيعة المرأة ودورها، بالإضافة إلى القضايا المتعددة التي برزت مع توسع النفوذ البريطاني على الساحة العالمية.
عكست النقاشات حول التصنيع وأدوار المرأة في المجتمع تحولات اجتماعية عميقة، أبرزها ظهور طبقة جديدة من العمال – رجالاً ونساءً وأطفالاً – الذين هاجروا بأعداد كبيرة إلى المدن، خاصة في الشمال الصناعي، للعمل في المصانع. إلى جانب ذلك، برزت مطالب متزايدة بتوسيع الحريات الممنوحة للنساء. كانت هذه التغيرات مترابطة؛ فالصعوبات التي أحدثتها الثورة الصناعية وما صاحبها من تطورات اجتماعية دفعت النساء إلى أدوار تتحدى المفاهيم التقليدية حول طبيعة المرأة. بالإضافة إلى ذلك، فإن وتيرة التغيير السريعة التي شهدها العصر الفيكتوري، نتيجة للتقدم الصناعي، أوجدت فرصاً وتحديات جديدة للنساء، حيث برزن ككاتبات ومعلمات ومصلحات اجتماعيات، وسعين للحصول على حقوق أوسع.

في سياق النقاشات حول الصناعة وقضايا المرأة، برزت أصوات لم تكن مسموعة من قبل. فلم يقتصر دور الكاتبات على تشكيل أطر النقاش حول قضايا المرأة فحسب، بل أتيحت للنساء من الطبقات العاملة أيضاً فرص للتعبير عن ظروف حياتهن. كما قامت العاملات في المصانع بتسليط الضوء على أوضاع عملهن ومعيشتهن من خلال تقديم تقارير إلى اللجان البرلمانية، والمشاركة في المقابلات الموسعة التي جمعها الصحفي هنري مايهيو لاحقاً في كتابه “عمال لندن وفقراء لندن””، بالإضافة إلى ذلك، كتب العمال أنفسهم رسائل إلى المحررين تصف معاناتهم. وأصبح عالم الطباعة أكثر انفتاحاً وديمقراطية. في الوقت ذاته، سعى الروائيون وحتى الشعراء إلى إيجاد طرق لتمثيل هذه الأصوات الجديدة. على سبيل المثال، خصصت الروائية إليزابيث جاسكل روايتها الأولى “ماري بارتون” لإعطاء صوت لفقراء مانشستر، بينما حاولت إليزابيث باريت براوننج التعبير شعرياً عن الفقراء والمضطهدين.
يتناول القسم الثالث من هذا الجزء، المعنون بـ “الصورة التصويرية في الشعر الفيكتوري”، العلاقة العميقة بين الفنون البصرية والأدب خلال العصر الفيكتوري. وتؤمن العديد من النظريات الجمالية في تلك الحقبة بأن البصر هو الحاسة الأكثر دقةً ودلالةً على الحقيقة. وقد أولى كل من الشعر والرواية الفيكتوريتين أهمية كبيرة للوصف البصري، باعتباره أداة رئيسة في التعبير عن الموضوعات. أوجد هذا التركيز على البُعد البصري ترابطًا وثيقًا بين الشعر والفن التشكيلي، حيث زُوّدت مؤلفات الشعر والسرد برسوم توضيحية ساهمت في تعزيز أثر النصوص وإغنائها. وتمنح النصوص والرسومات واللوحات المعروضة هنا رؤية معمّقة للعلاقة بين الكلمة والصورة، والتي تُعد من السمات الأساسية في جماليات العصر الفيكتوري.
يتناول القسم الرابع هوية بريطانيا كقوة إمبريالية ذات نفوذ عالمي كبير بعمق أكبر. خلال العصر الفيكتوري، شهدت بريطانيا اهتمامًا متزايدًا بممتلكاتها الإمبراطورية في الخارج. تباينت المواقف البريطانية بشأن أساليب ومبررات الحملات الإمبريالية؛ حيث سلط البعض، مثل الكاتب جوزيف كونراد، الضوء على التكتيكات الوحشية والحسابات الباردة التي تميز هذه الحملات، بينما رأى آخرون، مثل السياسي جوزيف تشامبرلين، أن البريطانيين يمثلون العرق الحاكم العظيم وأن عليهم التزامًا أخلاقيًا بتوسيع نفوذهم عالميًا. من جهة أخرى، دعم الاجتماعيون التطوريون، كـبنيامين كيد، الهيمنة البريطانية استنادًا إلى معتقداتهم حول الدونية التنموية للشعوب المستعمَرة، مما جعلهم يروجون لفكرة أن الأوروبيين يتمتعون بقدرة أكبر على الحكم، وهو ادعاء أعده الكثيرون تبريرًا كاملاً للسياسات البريطانية في الخارج. ورغم وجود أصوات معارضة، استمر التوسع البريطاني بوتيرة غير مسبوقة، مما أدى إلى عصر جديد من التبادل الثقافي الذي أعاد تشكيل النظرة البريطانية إلى العالم بشكل دائم.