دكتور أشرف إبراهيم زيدان يكتب : نظرة عامة على الإرث الأدبي لشكسبير

دكتور أشرف إبراهيم زيدان
    جامعة بور سعيد

    يتفوق ويليام شكسبير على جميع الكتاب المسرحيين الآخرين، فهو عبقري استثنائي يعجز الوصف الموجز عن الإحاطة بروعته. يتميز شكسبير كشاعر بمهارة لا تضاهى وذكاء لافت، لكنه يظل شخصية غامضة ومتعددة الأبعاد. تكمن إحدى أبرز سماته فيما وصفه الشاعر جون كيتس بـ “القدرة السلبية”، وهي قدرته الفريدة على استيعاب كافة المواقف والأيديولوجيات. يمنح هذا عمله طابعًا شاملًا يمكّن كل موقف من أن يجد فيه ما يعكسه، لكنه في الوقت نفسه يعرضه للنقد والتحليل. حقق شكسبير هذا بفضل شمولية جمالية استثنائية في أعماله؛ إذ مزج بين المهرجين في المآسي والملوك في الكوميديات، ووازن بين العام والخاص، ودمج بين المهارة والعفوية. تعكس مسرحياته التحولات العميقة في القيم التي كانت تحدث في مجتمعه، مما يجعلها نابضة بالحياة والتنوع.

   كانت ثقة شكسبير في ذوقه وشعبيته العميقة عاملاً أساسياً في قيادته لعصر النهضة الإنجليزي دون الانحياز لأي من جوانبه المتنوعة. وبصفته ممثلاً وكاتباً مسرحياً ومساهماً في مسرحيات فرقة اللورد تشامبرلين، كان منغمسا بعمق في جميع جوانب المسرح الإليزابيثي. امتدت مسيرته المهنية من عام 1589 إلى 1613، متزامنة تماماً مع أوج الازدهار الأدبي في إنجلترا. وفي أعماله وحدها تجسدت الإمكانات الكاملة لعصر النهضة بأقصى درجاتها.

  ركزت المسرحيات الأولى لشكسبير بشكل أساسي على التاريخ والكوميديا. وشكلت المسرحيات التاريخية نحو خُمس إنتاجه خلال عصر إليزابيث. تميز شكسبير بإبراز هذا النوع، حيث أعاد تصوير التاريخ الإنجليزي بالكامل في سلسلتين مكونتين من أربع مسرحيات، تمتدان من ريتشارد الثاني إلى هنري السابع. كان هذا المشروع الطموح إنجازًا مذهلًا حقق نجاحًا كبيرًا. تتألف السلسلة الأولى من ثلاثية “هنري السادس” و”ريتشارد الثالث” (1589-1594)، وتبدأ كاحتفال وطني بشجاعة الإنجليز في مواجهة الفرنسيين. لكن هذا الحماس الوطني سرعان ما يتحول إلى إدراك ناضج ومخيب للآمال لطبيعة السياسة، ويتوج ذلك بالتصوير المدمر لشخصية ريتشارد الثالث—التي قد تكون أول “شخصية” حقيقية بالمعنى الحديث في المسرح الإنجليزي. ريتشارد، الذي يتفاخر في الجزء الثالث من “هنري السادس” بأنه قادر على “إرسال القاتل مكيافيلي إلى المدرسة”، يبدو في الظاهر رمزًا للصعود المجيد لسلالة تيودور إلى العرش. ومع ذلك، فإن تصوير المسرحية الواقعي لآليات السلطة السياسية يقوض هذا التمجيد السطحي. تثير جاذبية ريتشارد وحضوره سريع البديهة القلق وتجعل من المستحيل إصدار أحكام أخلاقية بسيطة.

  تتألف السلسلة الثانية من “ريتشارد الثاني” (1595-1596)، و”هنري الرابع” بجزأيه الأول والثاني (1596-1598)، و”هنري الخامس” (1599). تبدأ السلسلة بخلع ملك فاسد لكنه شرعي، ثم تتناول تداعيات هذا الخلع على مدار جيلين، مستكشفة بشكل عميق الأسئلة المعقدة التي يثيرها، مثل السلطة، والطاعة، والنظام. (الجدير بالذكر أن فصيل إيرل إسكس دفع تكلفة تقديم “ريتشارد الثاني” عشية تمردهم الفاشل ضد إليزابيث في عام 1601). في مسرحيات “هنري الرابع”، التي تتميز بشخصية فالستاف البارزة ومغامراته المارقة في إيستشيب، يمزج شكسبير بين مشاهد الحكام ومشاهد العامة. يخلق هذا التداخل صورة غنية ومتعددة الأبعاد للحياة الوطنية في تلك اللحظة التاريخية.

  تتسم نبرة هذه المسرحيات بتزايد التشاؤم، حيث تثير “هنري الخامس” تساؤلات وتحفظات حول صحة الأسطورة الوطنية عن العظمة الإنجليزية التي ترمز إليها قصة أجينكور. تدور أحداث جميع هذه المسرحيات حول العلاقة بين الفرد وخضوعه للضرورات التاريخية والسياسية، وهو موضوع ذو طابع مأساوي يشير إلى أعمال شكسبير الأعظم لاحقًا. أما مسرحياته التاريخية الأخرى، مثل “الملك جون”(1594-1596) و”هنري الثامن” (1613)، فتتناول قضايا مشابهة مستوحاة من مادة تاريخية مستمدة من كتابي “أعمال وآثار” لجون فوكس.

الملاهي المبكرة
    تشترك الملاهي المبكرة في أشكالها مع الأعمال الشعبية والرومانسية التي اعتمدها أذكياء الجامعة، لكنها تضيف إليها لمسات من المرح الأرستقراطي الأنيق ووعيًا متطورًا بهشاشة الكوميديا وخداعها. إنها كوميديات احتفالية تفتح الباب أمام عالم ينبض بالحيوية والخيال. تتضمن المجموعة الأولى من الكوميديات “كوميديا الأخطاء” حوالي (1594-1589)، “ترويض النمرة” حوالي (1594-1589)، “زوجتا وندسور المرحتان” (حوالي 1597-1598)، و”الليلة الثانية عشرة” (1600-1601). تتميز هذه المسرحيات بطابعها المليء بالمكائد، وحركتها السريعة، وطابعها الهزلي في كثير من الأحيان، مع تركيز كبير على الذكاء والدهاء.

   أما المجموعة الثانية، التي تشمل “السيدان من فيرونا” )حوالي 1589-1594)، “خاب سعي العشاق” (1589-1594)، “حلم ليلة منتصف الصيف” (حوالي 1595-1596)، و”على هواك” (1598-1600)، فتتسم بوجود رحلة إلى بيئة طبيعية مثل الغابة أو الحديقة. في هذه البيئات، تتحرر الشخصيات من القيود التي تحكم حياتها اليومية، مما يمنحها فرصة لإعادة تشكيل هويتها بعيدًا عن قيود المجتمع. توفر هذه المسرحيات فضاءً من المتعة يُمكّن الأفراد من استعادة توازنهم وسلامتهم الداخلية.

33.3233

   تشترك جميع المسرحيات الكوميدية في الإيمان بقدرة اللعب الإيجابية على تعزيز الصحة والرفاهية. ومع ذلك، لا تخلو أي منها تمامًا من التساؤلات حول الحدود التي تقيد العالم الكوميدي. ففي المسرحيات الأربع التي تقترب من الكوميديا المأساوية —”تاجر البندقية” (حوالي 1596-1597)، “أسمع ضجيجا ولا أرى طحينا” (1598-1599)، “العبرة بالخواتيم” (1601-1605)، و”الصاع بالصاع” (1603-(1604— يصطدم الطابع الاحتفالي بشكل مباشر مع قيود الواقع، مثل الزمن، والأعمال التجارية، والقانون، واللامبالاة البشرية، والخيانة، والأنانية.
تمنح هذه المسرحيات أهمية أكبر للآراء الأقل تفاؤلاً حول المجتمع، والتي كانت شائعة في تسعينيات القرن السادس عشر، مع الاعتراف بأن حلولها الكوميدية مؤقتة. يتم الوصول إلى هذه الحلول من خلال التلاعب، أو التسوية، أو حتى استبعاد شخصيات رئيسة من الأحداث. أما مسرحية “ترويلوس وكريسيدا” (1601-1602)، فهي تقدم تجربة فريدة تقع في منطقة بين الكوميديا والمأساة، وبين السخرية والمهزلة القاسية. تعيد معالجة شكسبير لقصة حرب طروادة طرح البطولة في مواجهة نسختها الساخرة، ما يعكس بوضوح الإحساس بالاضطراب والانقسام الفردي الذي ميز نهاية ذلك القرن.

المآسي.

    تجد التوترات والتناقضات التي ميزت عصر شكسبير تعبيرها الأعمق في مآسيه. في هذه الأعمال الاستثنائية، تُختبر القيم والتسلسلات الهرمية والالتزام بالعرف، ليُكشف عن أوجه قصورها، بينما تُبرز الصراعات الكامنة في المجتمع بكل وضوحها وحدتها.

    وضع شكسبير الشخصيات في صراعات عميقة: الزوج في مواجهة زوجته، الأب ضد ابنه، والفرد ضد المجتمع. كما نزع أبهة الملوك، ووضع النبيل في مستوى المتسول، واستجوب الآلهة. في مسرحيتيه التراجيديتين التجريبيتين “تيتوس أندرونيكوس” (1589-1594)، التي تميزت بعنفها المروع، و”روميو وجولييت” (1594-1596)، التي جمعت بين الكوميديا والرومانسية المراهقة، تجاوز شكسبير المفهوم الإليزابيثي التقليدي للمأساة باعتبارها تقلباً في الحظوظ، ليصل إلى استكشاف أعمق وأكثر تعقيداً للشخصية والدوافع. أما في “يوليوس قيصر” (1599)، فقد حول شكسبير الاهتمام السياسي في مسرحياته التاريخية إلى مأساة جماعية ودنيوية، حيث يجد الرجال أنفسهم ضحايا لسلسلة من الأحداث العامة التي لا يمكن وقفها، والتي تنطلق بفعل أخطائهم في التقدير.

   في مآسيه الكبرى التالية، يصعب اختزال أعمال شكسبير في وصف عام موحد، إذ تنتمي كل مأساة إلى نوع مختلف بحد ذاته. تمثل “هاملت” (حوالي 1599-1601) مأساة الانتقام، بينما تجسد “عطيل” (1603-1604) المأساة العائلية. أما “الملك لير”(1605-1606) فتتناول مأساة اجتماعية، و”ماكبث” (1606- (1607 تقدم مأساة سياسية. وأخيرًا، تتجلى المأساة البطولية في “أنطونيوس وكليوباترا” .(1606-1607)
تمثل مسرحيات شكسبير في كل نوع نماذج بارزة تُحدد معالمه، مما يجعل إنجازه استثنائيًا في اتساعه وبريقه. في هذه الأعمال، تنهار عوالم أبطال شكسبير من حولهم، ومحاولاتهم المضنية لمواجهة هذا الانهيار تكشف هشاشة الأنظمة التي يعتمدون عليها لتبرير معاناتهم ووجودهم. تتجلى الرؤية النهائية في حزن الملك لير الذي لا يمكن التخفيف منه على وفاة ابنته، حيث يقول:” لماذا يعيش الكلب أو الحصان أو الفأر، بينما أنت لا تتنفسين على الإطلاق؟” أمام هذا الألم الهائل الذي يعصف بهذه الأرواح النبيلة، تصبح جميع أشكال العزاء خاوية، وتنكشف الأنظمة باعتبارها مجرد صدفة. في هذه اللحظة التي تُبرز أعظم إبداعات عصر النهضة، تنهار كذلك إنسانيتها المثالية.

أعمال شكسبير اللاحقة
في سنواته الأخيرة، عاد شكسبير إلى التجريب بمخيلته الإبداعية الخصبة. في مسرحية “كوريولانوس” (1608)، أكمل سلسلة مآسيه السياسية، مقدّمًا تحليلًا متجردًا لديناميكيات الدولة العلمانية. ويبرز مشهد انتفاضات الجياع الرومانية في بداية المسرحية، الذي صُوِّر بواقعية دون تعاطف مفرط، كصدى واضح لأحداث شغب الطعام في واريكشاير عام 1607. أما مسرحية “تيمون الأثيني” (1605-1608)، فهي عمل غير مكتمل ينتمي إلى نوع الهجاء المأساوي، وتتميز بطابعها الفرعي الفريد.

   تتضمن المجموعة الأخيرة من مسرحيات شكسبير أربع رومانسيات: “بيريكليس” (حوالي 1606-1608)، “سيمبلين” (حوالي 1608-1610)، “حكاية الشتاء” (حوالي 1609-1611)، و”العاصفة”(1611) . في هذه الأعمال، يتبنى شكسبير منظورًا فلسفيًا عميقًا يستكشف موضوعات الحظ والمعاناة. (كما يُنسب إليه عمل آخر، “القريبان النبيلان” [1613-1614]، بالتعاون مع جون فليتشر، وربما مسرحية مفقودة تعرف باسم “كاردينيو” .[1613]) تعود هذه المسرحيات إلى عناصر الرومانس الشعبية التي ميزت شبابه، متناولة موضوعات أسطورية مثل الرحلات الطويلة، وحطام السفن، ولم شمل العائلات الممزقة، وعودة أشخاص كانوا يُعتقد أنهم ماتوا. وعلى الرغم من جمال وشاعرية هذا العزاء، فإن هذه الرومانس لا تغفل عن واقع المعاناة، والصدفة، والخسارة، والقسوة. كما تتناول هذه الأعمال بُعدًا آخر يتمثل في تأمل شكسبير المستمر لطبيعة فنه، وهو ما يجعل العزاء الذي تقدمه المسرحيات ممكنًا. وحتى في أجوائها الحالمة، تحافظ هذه الرومانسيات على توازن دقيق بين استمتاع الفنان بوهم الإبداع ووعيه الناضج بخيبة الأمل.

زر الذهاب إلى الأعلى