انشروا الفضائل 

التسامح

بقلم: د. فاطمة رجب الباجوري

التسامح خلق المجتمعات التي تحترم الإنسانية.. والإسلام دين الإنسانية .. ولن تجد بشرا ضرب النموذج الأمثل للتسامح كسيد المرسلين نبينا محمد _ صلى الله عليه وسلم _ فقد كان متسامحا في جميع معاملاته.. وهو القائل ـ صلى الله عليه وسلم ـ «رحم الله رجلا ‌سمحا ‌إذا ‌باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» (رواه البخاري).

وهو القائل صلى الله عليه وسلم ـ معلما الأمة. وحاثا لها على التسامح بضرب الأمثال: “إن رجلا كان فيمن كان قبلكم، أتاه الملك ليقبض روحه، فقيل له: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئا غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا وأجازيهم، فأنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة ” (رواه البخاري)، فهذا الرجل لم يذكر من الخير إلا أنه كان سمحا عند طلبه لحقِّه، يتجاوز عن المعسر منهم، ويمهل المعسر ، فأدخله الله ـ تعالى ـ الجنة لهذا التسامح في المعاملة.

وقد أمر الله تعالى رسوله ـ صلى الله الله عليه وسلم ـ بالتسامح في كل معاملاته، والعفو عن الناس، والإعراض عن الجاهلين منهم، فقال مخاطبا نبيه {‌خُذِ ‌الْعَفْوَ ‌وَأْمُرْ ‌بِالْعُرْفِ ‌وَأَعْرِضْ ‌عَنِ ‌الْجَاهِلِينَ} ( الأعراف 199). وقد امتثل ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمر ربه فكان أكثر عباد الله تعالى تسامحا، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، سأذكر مثالا واحدا منها لضيق المقام فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ‌برد ‌نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء» ( رواه البخاري).

من منا مهما وصل من التسامح يستطيع تحمل هذا الموقف دون غضب وتوعد؟! إنه الرحمة المهداة من الله الرحمن الرحيم لهذه الأمة.وقد سار الصحابة على هذا الهدي وامتثلوا أمر الله تعالى فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: «فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين، «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله» (رواه البخاري).

ألا نكون نحن أيضا وقافين عند كتاب الله تعالى، ونعامل جميع الناس بروح التسامح خاصة في هذه الأيام المباركة من شهر رمضان.

زر الذهاب إلى الأعلى