
وسادة وعبادة!
بقلم: د. منير لطفي
الحياة تجارة، فيها المكسب والخسارة، وأكبر خسارة أن يذهب ثلث عمرنا هباء فينحى خارج ميزان الحسنات. وأقصد بهذا الثلث: ساعات نومنا.. تخيل طالبا يدرس ثلاث مواد، فاجتهد في مادتين وأهمل الثالثة كأنها في عداد الموتى، هل يتفوق؟ فما بالك إذا كان مقصرا في المادتين؟! هل من أمل في مجرد النجاح؟ صحيح أننا في نومنا لا نسرق ولا نكذب ولا نغتاب، وبالتالي لا مجال لارتكاب الشرور والآثام، ومنه جاءت مقولة العامة: “نوم الظالم عبادة”، ليس على اعتبار أنه يتفرغ في نومه لرد المظالم، ولكن لأنه يكف يده عن المزيد منها. ولكن الصحيح أيضا، أن الكثير من الحسنات تفوتنا، فلا أحد يصلي أو يزكي أو يصوم أو يحج ويعتمر وهو نائم ممدد في فراشه…والسؤال، كيف نحول ساعات يومنا الطوال هذه، إلى عبادة نثاب عليها تماما كثواب الصلاة والصدقة وصلة الأرحام وغيرها من الطاعات والقربات؟ -نقطة الانطلاق، هي النية، لم ننام؟ إن نويت النوم لتجدد نشاطك وتستعيد عافيتك لمواصلة السعي كما أمرك الله في إعمار الأرض وتحقيق العبودية بمعناها الشامل، فأنت على دين الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه الذي كان يعتبر نومه ضمن الأوراد (الأذكار) فيقول: “هلموا إلى ورد النوم”، أي كأنه سينخرط في حلبة ذكر يسبح فيها ويحمد ويكبر ويهلل ويستغفر ويحوقل. -الأمر الثاني، كيف تنام؟ هل نمت على طاعة ثم توضأت، وصليت وترك، وتمتمت بدعاء النوم، قبل أن تسلم جنبك اليمين لبارئك وتبحر مع الذكر بعد قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين؟ إن فعلت ذلك، فأنت في طاعة ما دمت نائما. وفي هذا قيل إن شابا صحب سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه في ليلة، فرآه ينام الليل كما ينام، فتعجب، وكلمه فى ذلك، فقال سيدنا معاذ: “إنى أحتسب عند الله نومتى كما أحتسب يقظتى”. بمعنى أن نومتى -بإذن الله- ليست خارح ميزان حسناتي بل هي امتداد لما قبلها ووصل لما بعدها. – الأمر الثالث، متى تنام؟ فالنوم عقب سهر لا اضطرار فيه ليس كالنوم مبكرا، إذ روي أن النبي عليه الصلاة السلام كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها. وأثر عن إحدى التابعيات قولها: وسادة وعبادة، نعم العبادة. – الأمر الرابع، ماذا بعد نومك؟ هل استيقظت على دعاء الاستيقاظ ثم الوضوء والتهجد أو صلاة الفجر، أم أسلمت للوسادة قفاك حتى لفحتك شمس الظهيرة وقمت تجر أذيال الخيبة والخسران! خلاصة القول، ما صاغه أحدهم بلطف، فكتب: النوم عادة قهرية، تتحول إلى عبادة طوعية، بالنية واتباع السنن النبوية. وبعبارة أخرى: قل لي ماذا تفعل في صحوك؟ أقل لك في أي كفة ذهب نومك..فمن كان لله طائعا وفي قربه ساعيا، كان نومه جائزة بلا تعب وغنيمة باردة كصوم الشتاء.