الدكتور ناصر الجندى يكتب عن أحب الخلق إلى القلوب: لماذا نعشق النبي ﷺ؟

بقلم الدكتور ناصر الجندي

    مع قدوم رمضان، تهفو القلوب إلى الطاعات، وتنتعش الأرواح بنسائم الرحمة والمغفرة، ويصبح القلب أكثر استعدادًا لاستشعار محبة النبي ﷺ والتعلق بسيرته. كيف لا وهو الذي بشر الصائمين بقوله: “للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه” (رواه البخاري ومسلم)؟ في هذا الشهر الكريم، تتجدد المحبة النبوية في القلوب، ويتعاظم الشوق إليه ﷺ، فنجده قدوتنا في صيامنا وقيامنا، ونوره يضيء درب عبادتنا.
ولكن، لماذا نجد أنفسنا نحب النبي ﷺ حبًا لا مثيل له؟ ولماذا تظل سيرته منبعًا للعشق والتعلق القلبي عبر الأزمان؟

52588

لماذا نعشق النبي ﷺ؟
حب النبي ﷺ ليس حبًا عاديًا، بل هو حب يتغلغل في القلوب، ويجعل النفوس تتعلق به تعلقًا روحيًا فريدًا. وهناك أسباب عديدة تجعل النبي ﷺ أحب الخلق إلينا، ومنها:
1. لأنه رحمة مهداة
قال الله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” (الأنبياء: 107).
كان ﷺ رحمة في تعامله مع الصغير والكبير، مع المؤمن والكافر، حتى مع أعدائه. دخل أعرابي المسجد فبال فيه، فغضب الصحابة، لكن النبي ﷺ قال: “لا تزرموه، ثم دعا بماء فصبه عليه” (رواه البخاري). أي قلب يتسع لهذه الرحمة؟!
2. لأنه أحسن الناس خلقًا
عندما سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاقه، قالت: “كان خلقه القرآن” (رواه مسلم).
كان متواضعًا رغم عظمته، صبورًا رغم الأذى، بشوشًا رغم ثقل الرسالة، متسامحًا رغم الجراح. ومن ذا الذي لا يعشق شخصية كهذه؟
3. لأنه كان يحبنا قبل أن يرانا
تصور أن النبي ﷺ دعا لك قبل أن تولد! قال في شوقٍ إلينا: “وددت لو رأيت إخواني”، فقال الصحابة: أولسنا إخوانك؟ قال: “أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد” (رواه مسلم).
أي عشق يمكن أن يقابل هذا الحب النبوي العظيم؟!
4. لأنه بذل كل شيء من أجلنا
تحمل الأذى، والجوع، والمقاطعة، والاضطهاد، فقط ليصل إلينا نور الهداية. في الطائف رموه بالحجارة حتى سال دمه، فرفع يديه إلى السماء، لكنه لم يدعُ عليهم، بل قال: “اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون” (رواه البخاري). هذا القلب العظيم، كيف لا نعشقه؟
5. لأنه سيكون شفيعنا يوم القيامة
في يوم تشخص فيه الأبصار، ويتبرأ كل إنسان من غيره، سيكون النبي ﷺ واقفًا عند الحوض ينتظرنا، يشفع لمن أطاعه وأحبه، وينادي: “أمتي أمتي!”. أي حب أعظم من هذا الحب؟!

كيف نعبر عن عشقنا للنبي ﷺ في رمضان؟
رمضان فرصة ذهبية لنترجم محبتنا للنبي ﷺ إلى أفعال، ومنها:
الإكثار من الصلاة عليه: فرمضان شهر البركات، والصلاة عليه ﷺ نور للقلب.
قراءة سيرته: في ليالي رمضان، دعونا نسترجع مواقفه العطرة ونستلهم منها العبرة.
الاقتداء به في الصيام والقيام: كان ﷺ يكثر من الدعاء عند الإفطار، وكان يحرص على السحور، ويملأ ليله بالقيام والذكر.
نشر أخلاقه بين الناس: فلنتخلق بالصبر والرحمة والعفو، كما كان ﷺ.

حب يتجدد في رمضان
رمضان شهر الروحانيات، وشهر تجديد العهد مع النبي ﷺ، حيث نعيش صيامه كما صام، ونتذكر قيامه وسننه، ونملأ قلوبنا بحبه. فلنسأل أنفسنا: هل نحن مستعدون لأن يكون النبي ﷺ أحب إلينا من أنفسنا؟
فلنكن من الذين قال عنهم النبي ﷺ: “المرء مع من أحب” (رواه البخاري ومسلم)، ولنجعل عشقنا له ﷺ صادقًا، باتباع سنته، والسير على نهجه، حتى ننال شفاعته يوم اللقاء العظيم.

زر الذهاب إلى الأعلى