كانت رؤيا من الله صادقة

 بقلم / محمـــد الدكـــروري

اليوم : الاثنين الموافق 20 يناير 2025

الحمد لله، أعظم للمتقين العاملين أجورهم، وشرح بالهدى والخيرات صدورهم، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفّق عباده للطاعات وأعان، وأشهد أن نبيّنا محمدا عبد الله ورسوله خير من علَّم أحكام الدين وأبان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الهدى والإيمان، وعلى التابعين لهم بإيمان وإحسان ما تعاقب الزمان، وسلّم تسليما مزيدا ثم أما بعد، لقد حكى ابن إسحاق فقال حدثني بعض آل أبي بكر رضي الله عنهم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها كانت تقول ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أسرى بروحه قال وحدثني يعقوب بن عتبة أن معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “كانت رؤيا من الله صادقة” وقال ابن إسحاق فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت في ذلك ” وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس “

وكما قال إبراهيم عليه السلام يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك وفي الحديث تنام عيني وقلبي يقظان، وقال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله تعالى على أي حاليه كان نائما أو يقظان كل ذلك حق وصدق، قلت وقد توقف ابن إسحاق في ذلك وجوز كلا من الأمرين من حيث الجملة ولكن الذي لا يشك فيه ولا يتمارى أنه كان يقظان لا محالة لما تقدم وليس مقتضى كلام السيدة عائشة رضي الله عنها أن جسده صلى الله عليه وسلم ما فقد وإنما كان الإسراء بروحه أن يكون ذلك مناما كما فهمه ابن إسحاق بل قد يكون وقع الإسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم وركب البراق وجاء بيت المقدس وصعد السماوات وعاين ما عاين حقيقة، ويقظة لا مناما لعل هذا مراد السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ومراد من تابعها على ذلك لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام والله أعلم.

وقد إختلف العلماء في أن الإسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة ؟ فمنهم من يزعم أن الإسراء في اليقظة والمعراج في المنام، وقد حكى المهلب بن أبي صفرة في شرحه البخاري عن طائفة أنهم ذهبوا إلى أن الإسراء مرتان مرة بروحه صلي الله عليه وسلم مناما ومرة ببدنه وروحه يقظة وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي الفقيه المالكي وهذا القول يجمع الأحاديث فإن في حديث شريك عن أنس رضي الله عنه وذلك فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه وقال في آخره ” ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر ” وهذا منام ودل غيره على اليقظة ومنهم من يدعي تعدد الإسراء في اليقظة أيضا حتى قال بعضهم إنها أربع إسراءات وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله. 

أن يوفق بين إختلاف ما وقع في روايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد فجعل ثلاث إسراءات مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق ومرة من مكة إلى السماوات على البراق أيضا لحديث حذيفة ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات، فنقول إن كان إنما حمله على القول بهذه الثلاث اختلاف الروايات فقد اختلف لفظ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات وإن كان إنما حمله أن التقسيم انحصر في ثلاث صفات بالنسبة إلى بيت المقدس وإلى السماوات فلا يلزم من الحصر العقلي الوقوع كذلك في الخارج إلا بدليل والله أعلم، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية فهي الباعث على الصلاح، والحاجز عن الإثم، وهي العدّة والرابط الوثيق على القلوب عند الفتن، وهي الزاد للآخرة.

زر الذهاب إلى الأعلى