الغيبة والخوض في الأعراض

 

*بقلم: الدكتورة شيماء سعيد

 

الحمد لله الذي أمر بحفظ الألسن عن الحرام، وحث على صيانة الأخلاق من كل ما يضر بالآخرين، ونهى عن الغيبة والخوض في أعراض الناس، فقال تعالى في كتابه العزيز: “وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ” (الحجرات: ١٢).

فالغيبة هي ذكر الإنسان بما يكره في غيابه، سواء كان ذلك عيبًا في خلقه، أو دينه، أو عمله، أو غير ذلك. وقد عرّفها النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئل عنها فقال: “ذِكْرُكَ أخاك بما يكره.” فقيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: “إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته.” (رواه مسلم).

أما الخوض في أعراض الناس فهو التحدث عن حياتهم الشخصية، أو التعرض لسمعتهم، أو إشاعة ما يسيء إليهم دون وجه حق، وهذا من أخطر الآفات التي تُدمّر المجتمعات وتقطع الأواصر.

إن من خطورة الغيبة وآثارها: الإثم العظيم عند الله: الغيبة من الكبائر التي تؤدي إلى غضب الله وسخطه، كما جاء في الحديث: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا في النار.” (رواه الترمذي).

وتفكك العلاقات الاجتماعية: الغيبة تزرع الكراهية والضغائن بين الناس، وتؤدي إلى انهيار الثقة بينهم، مما يفسد العلاقات الاجتماعية.

كما أنها انتهاك حقوق الآخرين: الخوض في أعراض الناس يعد تعديًا على حقوقهم وكرامتهم، وهو ظلم يجلب دعوات المظلومين ويهدد الاستقرار المجتمعي.

ولعل من أهم الأسباب التي تدفع للغيبة والخوض في الأعراض ضعف الإيمان: قلة الوازع الديني تدفع الإنسان ليتحدث فيما لا يعنيه، غير مدرك خطورة ما يقول. والحسد والحقد: الحسد يدفع البعض للحديث بالسوء عن الآخرين بهدف تشويه صورتهم. وكذلك البحث عن القبول الاجتماعي: قد يغتاب البعض الآخرين ليجذب انتباه الناس أو ليُظهر نفسه بصورة أفضل.

أيضا فراغ الوقت: قلة الانشغال بأمور نافعة تجعل الإنسان يتجه للحديث عن الآخرين بدلًا من استثمار وقته في الخير.

أما فيما يتعلق في كيفية التخلّص من الغيبة والخوض في الأعراض ، فهي أولا في تقوى الله ومراقبته: استشعار رقابة الله والخوف من عقابه من أعظم الأسباب التي تمنع الإنسان عن الغيبة.

ثانيا الاشتغال بالنفس: الانشغال بإصلاح النفس وتطويرها يغني عن النظر إلى أخطاء الآخرين.

ثالثا ملازمة الصالحين: الصحبة الصالحة تشجع على الخير وتنهى عن الشر، بينما الصحبة السيئة تدفع الإنسان للغيبة.

رابعا ذكر الله: الإكثار من ذكر الله يجعل الإنسان في حالة من الطهارة القلبية، فلا ينشغل بإيذاء الناس

وختاما فإن الغيبة والخوض في أعراض الناس ليسا مجرد كلمات تخرج من الأفواه، بل هما مسؤولية عظيمة تحمل الإنسان إلى الهلاك إن لم يتب إلى الله. علينا جميعًا أن نربي أنفسنا وأبناءنا على حفظ اللسان، وأن ندرك أن الكلمة قد تكون سببًا في بناء مجتمع طيب، أو سببًا في تدميره. فليحرص كل منا على أن يكون لسانه وسيلة للبناء لا للهدم، وللخير لا للشر،

وليتذكر قوله تعالى: “مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” (ق: ١٨).

 

 

* أستاذة الدراسات اللغوية والنحوية .

زر الذهاب إلى الأعلى