الدكتور أشرف زيدان يكتب عن : تمثيل الحرب العظمى

بقلم الدكتور أشرف زيدان 

   اليوم نطلق على هذا الصراع اسم الحرب العالمية الأولى، لكن بالنسبة لمن عايشوها كانت تُعرف بـ”الحرب العظمى”. في بدايتها، توقع الكثيرون أن تنتهي خلال بضعة أشهر بنصر ساحق للإمبراطورية البريطانية وحلفائها. إلا أنه مع مرور السنوات وارتفاع عدد الضحايا إلى الملايين، أصبح جليًا أن هذه الحرب كانت مختلفة جذريًا عن أي حرب سابقة.

   شكلت الحرب العالمية الأولى نقطة تحول في التاريخ العسكري والسياسي، حيث لقي ما يقرب من تسعة ملايين جندي حتفهم (أي واحد من كل خمسة ممن خاضوا الحرب)، بينما عانى الناجون من آثار بدنية ونفسية دامت طويلًا. واجهت الحرب تحديًا كبيرًا في محاولة منح معنى لهذا الكم الهائل من الضحايا وعبثية حرب الخنادق. في الخنادق الموحلة والمليئة بالجرذان، كان الجنود يطلقون نيران المدافع الرشاشة على أعداء غير مرئيين في خنادق أخرى. وعندما خاطروا بالخروج إلى “الأرض المحرمة”، أصبحوا مكشوفين تمامًا للخطر. يعكس استخدام مصطلح “الحرب العظمى” التحدي الذي واجهه الناس في تمثيل صراع كان جديدًا، مروعًا، واسع النطاق، ومؤلمًا إلى حد لا يُوصف.

   مع استقرار الجانبين في خنادقهما الممتدة من سويسرا إلى بحر الشمال، بدأ الناس يتساءلون عما حدث. في السابق، ربطت القصائد والأغاني الوطنية من حروب سابقة، مثل قصيدة “فيتاي لامبادا” لهنري نيوبولت (1897-1898)، بين براعة الجندي البريطاني في القتال وتفوقه الأخلاقي ونزاهته ومهارته. في الحرب العالمية الأولى، استمر هذا الربط في تمثيلات تجمع بين الحرب والرياضة، كما يظهر في قصيدة “الدعوة” لجيسي بوب (1915)، والملصق التجنيدي الشهير “الجيش ليس كل عمل.” لكن مع تبدد آمال الجنود في حرب عادلة وشجاعة أشبه بالألعاب الرياضية، وتحولها إلى مذبحة بشعة مجهولة الهوية، برزت السخرية كوسيلة للتعبير. بالنسبة لشعراء الحرب مثل سيجفريد ساسون وويلفريد أوين، كانت السخرية أداة فعّالة لتجسيد الفجوة بين التوقعات المثالية والواقع الوحشي، وبين الحرب القاتلة والأمة المطمئنة، وبين رفاق الجندي في الخنادق والعدو غير المرئي عبر الأرض المحرمة. أعمال مثل قصيدة “تصريح جندي” لساسون عبرت بمرارة عن غضب وحيرة الجنود، لكنها قوبلت باستقبال بارد من قراء في الوطن الذين كانوا مذهولين بدورهم. أثار هذا الانقسام الثقافي جدلًا حادًا؛ فقد اعتبر البعض في الوطن هجمات شعراء الحرب غير وطنية، بينما ظل الرأي العام منقسمًا بين أولئك الذين خاضوا الحرب وعرفوا حقيقتها، وأولئك الذين فضلوا البقاء في جهلهم بما يحدث على الجبهة.

زيدان 2000

    كان بعض الشعراء ينتقدون التصوير البياني والسخرية التي تميزت بها أشعار الجنود عن الحرب. على سبيل المثال، وصف دبليو بي ييتس في مقدمة “كتاب أكسفورد للشعر الحديث”(1936) مرارة شعراء الحرب بأنها “معاناة سلبية” تفتقر إلى البناء. نتيجة لذلك، رفض ييتس تضمين شعراء الحرب مثل ويلفريد أوين وسيجفريد ساسون في مختاراته الشعرية، مفضلًا أشكالًا من البطولة الأكثر نشاطًا، كتلك التي جسدها في قصيدته “طيار أيرلندي يتوقع موته”.

    مع ارتفاع أعداد الضحايا من قوات الحلفاء والمحور إلى الملايين، أصبحت التكتيكات العسكرية أكثر يأسًا. تضمنت هذه التكتيكات استخدام غاز الخردل، وشن هجمات بالغواصات على خطوط الشحن، وقصف المدن باستخدام مدافع الهاوتزر ومنطاد الزبلين على بعد أميال من خطوط المواجهة. مثلت هذه الأساليب انهيارًا لقواعد الحرب التقليدية، لتحل محلها عمليات قتل عشوائية استهدفت الجنود والمدنيين على حد سواء. وجد الفنانون المدنيون أنفسهم أمام تجربة حية للحرب يمكنهم التعبير عنها، بينما أدى انخراط الملايين من النساء في المجهود الحربي، كما يظهر في ملصق “نحن في حاجة إليك يا الصليب الأحمر”، إلى تلاشي التمييز بين النساء المدنيات والرجال الذين قاتلوا لإنقاذ البلاد. مع مغادرة المجندين وظائفهم في مصانع الذخائر والمنسوجات والصناعات الأخرى، سرعان ما حلت النساء محلهم، مما جعل الحرب بالنسبة لهن فرصة اقتصادية غير مسبوقة.

   على الرغم من أن الملصقات الدعائية للتجنيد، مثل “نساء بريطانيا يقُلن: انطلقوا!”، كانت تربط النساء بالريف الإنجليزي الذي يُفترض أن الجنود الشجعان يدافعون عنه، إلا أن قصائد مثل “فتيات الحرب” لجيسي بوب قدمت تصورًا مختلفًا للنساء، يظهرهن كقويات ومتمكنات بسبب التحديات التي فرضتها عليهن وظائفهن خلال الحرب. ومع استمرار الحرب لفترة طويلة وما خلفته من دمار، أعرب بعض الشعراء، مثل ساسون وإزرا باوند، عن استيائهم من النساء والمجتمع الذي كان الجنود يُفترض أنهم يحمونه. فعلى سبيل المثال، وصف هيو سيلوين ماوبرلي، في قصيدة باوند، بريطانيا بأنها “عاهرة عجوز فقدت أعصابها”.

       بسبب حجمها الهائل ودوافعها المثيرة للجدل، تعكس النصب التذكارية للحرب تحديات كبيرة في تمثيلها. فالهياكل التذكارية المادية غالبًا ما تجمع بين الضخامة والبساطة، وكأنها تسعى للتعبير عن معانٍ عميقة بينما تظل صامتة في الوقت نفسه. بوابة مينين (Menin) ونصب وايتهول التذكاري (Cenotaph of Whitehall)، على سبيل المثال، يقفان كشاهدين صامتين على خسائر جسيمة تفوق القدرة على التخيل أو التعبير.
في الوقت نفسه، أتاح قلة النصب التذكارية فرصة لاثنين من المعاصرين لاستخلاص استنتاجات مختلفة بشأن دلالتها. عبّر هنري مورتون في كتابه “قلب لندن” عن انطباعه بأن النصب التذكاري يمثل رمزًا للوحدة والاحترام المجتمعي. في المقابل، رأت شارلوت مييو في قصيدتها “النصب التذكاري” تناقضًا صارخًا في هذا الرمز الساكن للحزن، الذي يقف وسط مركز تجاري متدهور. وكما تعكس التباينات بين الشوفينيين والسخرية، وبين الجنود والمدنيين، وبين النسويات ومناهضي النسوية، تعبر هذه الآراء المتباينة حول النصب التذكارية للحرب عن رؤى متنافسة حول كيفية تمثيل حرب تظل، في جوهرها، عصية على التمثيل.

زر الذهاب إلى الأعلى