التجربة الحداثية

بقلم – الدكتور أشرف زيدان

     شهد النصف الأول من القرن العشرين تغييرات جذرية في الحياة اليومية لسكان المدن. فقد ساهمت الاختراعات الحديثة مثل السيارات والطائرات والهاتف في تقليص المسافات بين الناس وتسريع وتيرة الحياة. كما أحدثت نظرية فرويد عن اللاوعي والجنس في الطفولة تحولاً كبيرًا في الفهم السائد للعقل والهوية. وفي أواخر القرن التاسع عشر، أسهمت أفكار كارل ماركس وفريدريك نيتشه في زعزعة المفاهيم التقليدية المتعلقة بالحقيقة واليقين والأخلاق، كلٌ بطريقته الخاصة. في الوقت ذاته، كان العلم النظري يشهد تحولاً سريعًا، حيث انتقل من نماذج نيوتن التي هيمنت لمدة قرنين إلى نظرية النسبية لأينشتاين، وصولاً إلى ميكانيكا الكم. جزءًا من رد الفعل على هذا التسارع في الحياة والفكر، اجتاحت أوروبا موجة من الحركات التجريبية الجريئة، التي يُشار إليها أحيانًا مجتمعةً باسم “الحداثة”، نظرًا لتركيزها على الابتكار الجذري.

   في باريس، أبدع الرسام الإسباني المغترب بابلو بيكاسو والفرنسي جورج براك أسلوب التكعيبية، الذي تخلّى عن الواقعية والمنظور التقليدي، معتمدًا على تفتيت الفضاء وإعادة تشكيل الشكل بطرق مبتكرة. وفي إيطاليا، قاد ف. ت. مارينيتي، المتحدث باسم المستقبلية، حركة فنية شاملة امتدت إلى الرسم والشعر وحتى الطهي، داعيًا إلى الهروب من الماضي نحو عالم السيارات والطائرات والآلات السريعة والحيوية، وملهمًا بما وصفه بـ”شعرية الطيران”. أما الدادائيون، مثل الفرنسي مارسيل دوشامب، الذي اشتهر بعمله “النافورة” (1917)، وهو مرحاض جاهز، فقد شنوا هجومًا على المفاهيم التقليدية للمعنى والفن، متسائلين عن حدود ما يمكن اعتباره فنًا. في الموسيقى، بدأ ملحنون مثل الفرنسي كلود ديبوسي والروسي المولد إيغور سترافينسكي في استكشاف تجارب جريئة على الإيقاع والتناغم، والتي تطورت لاحقًا إلى النشاز الواضح في أعمال ملحنين مثل النمساويين أرنولد شونبيرج وألبان بيرج.

     في إنجلترا، أثرت موجة التجربة الحداثية على مجموعة مترابطة بشكل غير محكم من الأفراد والجماعات، تمركز العديد منهم في لندن. وفي الأدب الإنجليزي، تشير “الحداثة” إلى فترة زمنية أكثر من كونها حركة موحدة. ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بين الكُتّاب الحداثيين، إلى جانب شبكة غنية من العلاقات الشخصية والمهنية، هو رغبتهم المشتركة في الابتعاد عن الأشكال والموضوعات التقليدية في الفن والأدب. متأثرين بالحركات الفنية الأوروبية، رفض العديد من هؤلاء الكُتّاب الأساليب الواقعية والتوقعات الشكلية التقليدية. في الرواية، خاضوا في أعماق نفسيات شخصياتهم بتقنيات مثل تيار الوعي والحوار الداخلي. أما في الشعر، فجمعوا بين اللغة العامية والرسمية، وابتكروا الشعر الحر، وملأوا أعمالهم بإشارات معقدة وصور متفرقة. ومن المفارقات أن نجاح هذه الأساليب الراديكالية في البداية أدى في النهاية إلى تحويلها إلى معايير تقليدية، واجهتها الأجيال الأدبية اللاحقة.
من بين أقدم المجموعات التي ساهمت في تشكيل الحداثة في الأدب الإنجليزي كانت جماعة الشعراء التصويريين، التي قادها في البداية الإنجليزي تي. إي. هولم والأمريكي عزرا باوند في أوائل القرن العشرين.

    ارتكزت العقيدة الشعرية للتصويريين على استخدام لغة بسيطة، وتفضيل الشعر الحر على الأشكال التقليدية، مع التركيز بشكل خاص على خلق صور حية ذات حواف واضحة ودقيقة. أسهم المبدآن الأولان بشكل كبير في تطور الحداثة اللاحقة، وكان لهما تأثير عميق ومستدام على الممارسات الشعرية باللغة الإنجليزية. تميزت القصائد التصويرية، التي استلهمت من أشكال آسيوية مثل الهايكو، بالإيجاز والطابع العابر، مقدمةً صورة أو استعارة واحدة مذهلة. لاحقًا، ابتعد باوند عن الحركة، بينما واصل الشعراء التصويريون، مثل إتش. دي. لورانس، وريتشارد ألدينغتون، وجون جولد فليتشر، إصدار مختاراتهم السنوية تحت إشراف الشاعرة الأمريكية إيمي لويل.

60000000000

    في الوقت نفسه، أصبح عزرا باوند من أبرز أنصار الحركة الدوامية الأدبية، وهي حركة إنجليزية في الفنون البصرية قادها الرسام والكاتب ويندهام لويس. ركز أتباع الدوامية على الدفاع عن الطاقة والحيوية في مواجهة ما اعتبروه انحطاطًا في المجتمع الأوروبي، وسعوا إلى استغلال أو توليد قوة ديناميكية أطلقوا عليها “الدوامة”. على الرغم من إصدار عدد واحد فقط من مجلتهم الشهيرة “بلاست”، واجه الدواميون صعوبة في التوفيق بين خطابهم العنيف المتناقض حول الهوية الوطنية الإنجليزية وواقع العنف المدمر للحرب العالمية الأولى، إضافة إلى صعود الروح الوطنية في زمن الحرب. جاء العدد الثاني من “بلاست”، الذي صدر متأخرًا وحمل عنوان “عدد الحرب”، ليعلن ولاء الحركة لإنجلترا في معركتها ضد الفاشية الألمانية، مدفوعًا بأسباب جمالية. كما تضمن العدد خبر وفاة أحد أعمدة الحركة، النحات الفرنسي الأصل هنري جودييه برزيسكا، الذي قُتل في الخنادق. مثّلت هذه الخسارة، إلى جانب تفكك الحركة وانتشار أعضائها، نقطة تحول محورية في تطور الحداثة الإنجليزية.

    مع تطور الحداثة، حل نقد أكثر عقلانية وموضوعية محل الأسلوب الجدلي الصاخب والعدائي الذي انتهجه كل من ويندهام لويس وعزرا باوند، وذلك بفضل صديق باوند وزميله تي. إس. إليوت. مثّلت قصيدة “الأرض الخراب” لإليوت ورواية “يوليسيس” لجيمس جويس إنجازات فنية مبتكرة أثارت جدلًا كبيرًا في البداية، حيث تم حظر “يوليسيس” في الولايات المتحدة وبريطانيا. ومع ذلك، أدى الاعتراف اللاحق بهذين العملين كمعالم أدبية بارزة إلى ترسيخ الحداثة في قائمة الأدب الإنجليزي. في العقود التي تلت ذلك، لعب إليوت دورًا مؤثرًا كناقد، مما ساهم في إعادة تشكيل صورة الحداثة إلى ما وصفه بنفسه بـ”الكلاسيكية”. تجسد هذا النهج إحساسًا عميقًا بالماضي الأدبي وتشديدًا على فكرة عدم شخصية العمل الفني.

    في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أصبحت الحداثة القاعدة المؤسسية التي واجهتها الحركات الشعرية اللاحقة، بدءًا من “حركة” فيليب لاركن وصولًا إلى شعر اللغة الطليعي. ومع ذلك، كان تأثير الحداثة شاملاً، سواء بالنسبة للفنانين الذين رفضوها أو أولئك الذين تبنوا نهجها. فقد قدّم الحداثيون مثل جيمس جويس، وتي إس إليوت، وفيرجينيا وولف استراتيجيات تأليفية لا تزال تشكّل محورًا أساسيًا في الأدب. واستمر كتّاب متنوعون مثل دبليو. إتش. أودن، وصمويل بيكيت، وديريك والكوت، وسلمان رشدي في استكشاف التجربة الحداثية وتطويرها بطرق مختلفة، حيث تكيفوا مع المناخات السياسية الجديدة التي ميّزت فترة الحرب الباردة وما بعدها، بالإضافة إلى التعامل مع التواريخ الفريدة للدول التي كانت مستعمرات سابقًا. في الوقت نفسه، وكما حدث مع الطليعة في الفن والموسيقى الأوروبية في أوائل القرن العشرين، ظلّت الحداثة الأدبية تُعرّف الفن كنوع من الثورة الثقافية، تسعى للانفصال عن التاريخ التقليدي، مع الاستمرار في توسيع حدود الممارسة الفنية بشكل دائم.

زر الذهاب إلى الأعلى