قصة قصيرة بقلم الدكتور ناصر الجندي بعنوان “الذئب في ثوب الحمل”

بقلم الدكتور ناصر الجندي

  في أحد الأقاليم الشمالية المليئة بالغابات الكثيفة والأنهار الجليدية، وتحديدًا في مملكة “نورفالد” خلال القرن الخامس عشر، كانت هناك مدرسة صغيرة تقع على أطراف قرية “إلدرهيم”. المدرسة، برغم بساطتها، كانت مصدرًا للعلم والتنشئة الأخلاقية في القرية.

   كان راما إبراهيموفيتش، وكيل المدرسة، رجلًا يثير إعجاب الجميع. بشعره الأشقر الطويل وعينيه الزرقاوين، كان يبدو وكأنه أحد أبطال الأساطير النوردية. كان يظهر تدينًا ملفتًا، إذ لم تفُتْه صلاة في الكنيسة الصغيرة التي تجاور المدرسة، وكان دائمًا يردد تعاليم الدين على مسامع الجميع. ومع ذلك، كان خلف هذا القناع البراق تكمن شخصية خبيثة، تتلاعب بالمظاهر لتحقيق مآربه.

  كان راما يتمتع بنفوذ كبير داخل المدرسة. على الرغم من كونه وكيلًا، إلا أنه كان يهيمن على القرارات، مستخدمًا أسلوبه الماكر في إقصاء المديرين المتعاقبين. كان كل مدير جديد يدخل المدرسة يتوقع العمل مع فريق متعاون، لكنه سرعان ما يجد نفسه ضحية للمؤامرات والدسائس.

   في غضون سنوات قليلة، تعاقب على إدارة المدرسة ثلاثة مديرين، آخرهم كان السيد أولريك لوند، الذي رحل بعد نزاع حاد مع راما. في كل مرة كان راما يُظهر نفسه على أنه المدافع عن النظام والمبادئ، مستغلًا مظهره الوقور وثقته المفرطة.

   لكن مشاكله لم تكن تقتصر على الإدارة فقط. كان راما معروفًا بمحاولاته الدائمة لاستمالة المعلمات. كانت كلماته معسولة وتصرفاته متأنقة، لكنه دائمًا ما كان يتجاوز الحدود، محاولًا الإيقاع بهن.

   المعلمة إلسا فيندلسون، التي كانت حديثة العهد في المدرسة، شعرت منذ وصولها بأن راما يوليها اهتمامًا مبالغًا. كان يطلب لقاءها في مكتبه بذريعة الحديث عن خطط التعليم، لكنه كان يتحدث عن أمور شخصية لا علاقة لها بالعمل. حين رفضت تجاوبه، لاحظت أن مهامها أصبحت أكثر تعقيدًا، وكأنها تُعاقب على موقفها.

اجتمعت إلسا بزميلاتها، وبدأت تسمع قصصًا مشابهة عن راما، ليكتشفن جميعًا أنه كان يحاول استغلال كل واحدة منهن بطريقة أو بأخرى.

لم يكتفِ راما بذلك، بل توجه بطمعه نحو أمهات الطلاب، خصوصًا الأرامل والمطلقات من ذوات الثروات. كان يتعرف على أوضاعهن من خلال الملفات المدرسية، ويظهر لهن اهتمامًا خاصًا بأبنائهن، محاولًا التقرب منهن تحت ستار المساعدة والدعم.

310

إحدى الضحايا كانت السيدة غريتا نيلسون، أرملة غنية من عائلة نبيلة. في البداية، كانت ترى في اهتمامه شيئًا نبيلًا، لكنه سرعان ما كشف عن نواياه الحقيقية حين بدأ يتحدث عن أمور شخصية لا علاقة لها بأبنائها. شعرت بالريبة، وقررت أن تتحقق من نواياه من خلال الحديث إلى أمهات أخريات، لتكتشف الحقيقة الصادمة.

في إحدى الأمسيات الباردة، اجتمعت المعلمات وبعض أولياء الأمور في منزل السيدة غريتا. قرروا وضع حد لراما، وجمعوا الأدلة على تصرفاته المشينة. قاموا بتوثيق رسائله المكتوبة بخط يده وبعض الشهادات من الضحايا، واتفقوا على مواجهته في صباح اليوم التالي.

في صباح اليوم التالي، وبينما كان راما جالسًا في مكتبه يقرأ نصوصًا دينية بصوت عالٍ، اقتحم المجتمعون المكتب. حاول أن يظهر هدوءه المعتاد وسألهم بابتسامة مصطنعة:
“ما الذي يحدث هنا؟ هل هناك مشكلة تحتاج إلى حل؟”

تقدمت إلسا بخطى ثابتة، قائلة:
“راما إبراهيموفيتش، انتهى زمن ألاعيبك. نحن نعلم كل شيء عن مؤامراتك واستغلالك للمعلمات وأولياء الأمور.”

حاول الإنكار، مدعيًا أن كل ما يقال هو افتراء ضده. لكن الأدلة كانت دامغة، وتم عرض الرسائل والشهادات أمام الجميع.

صرخت السيدة غريتا:
“ظننت أنك رجل شريف يساعد الآخرين، لكنك لم تكن سوى ذئب في ثوب حمل!”

بعد المواجهة، قرر المجتمعون تقديم شكوى رسمية إلى المجلس التعليمي في القرية. لم يمضِ وقت طويل حتى صدر قرار بفصل راما من منصبه وتحويله إلى محكمة الكنيسة.

في المحاكمة، اعترف بعض الضحايا بتفاصيل محاولاته لاستغلالهن، وتمت معاقبته بالطرد من الكنيسة ومنعه من العمل في أي مؤسسة تعليمية. عاد راما إلى قريته الأصلية منكسرًا، وأصبح عبرة لكل من يحاول استغلال السلطة والمظاهر لتحقيق مآربه الخبيثة.

هكذا، سقط القناع عن راما إبراهيموفيتش، وكُشف وجهه الحقيقي أمام الجميع. تعلم أهل القرية درسًا قاسيًا عن ضرورة مواجهة الظلم وعدم الانخداع بالمظاهر، ليعيشوا بعد ذلك في أمان، بينما غرق راما في ظلمات عاره الأبدي.

زر الذهاب إلى الأعلى