قصة قصيرة بقلم الدكتور ناصر الجندي بعنوان “قناع الصلاة وخيانة الأمانة” 

    في إحدى مدارس المدينة الكبيرة، كان السيد جلال يشغل منصب وكيل المدرسة. بملامحه الوقورة وصوته الهادئ، كان يبدو مثالًا للإنسان الملتزم. كان أول من يصل إلى المدرسة وآخر من يغادرها، لا يفوت صلاة الجماعة في مسجد المدرسة، بل كان يصلي النوافل في مكتبه خلال أوقات الفراغ، مستعرضًا تدينه أمام الجميع.

لكن خلف هذا القناع، كان جلال شخصًا مختلفًا تمامًا. فقد عرف في المدرسة بقدرته الفائقة على إشعال الخلافات مع المديرين المتعاقبين. كل مدير جديد كان يدخل المدرسة يجد نفسه في مواجهة غير متكافئة مع جلال، الذي يدبر المؤامرات ويخلق الأزمات، مستخدمًا نفوذه وعلاقاته لإقصائهم. خلال سنوات قليلة، تعاقب على المدرسة أربعة مديرين، وكلهم تركوا مناصبهم بسبب “المشاكل المستمرة مع الوكيل”.

120

لم يقتصر الأمر على مشاكله الإدارية، بل تجاوز ذلك ليصل إلى النساء في المدرسة وخارجها. كان جلال يتقرب من المعلمات الجديدات، محاولًا إيهامهن بأنه فارس الأحلام. كان يغدق عليهن بكلماته المعسولة وتلميحاته المزيفة عن الإعجاب، لكنه لم يدرك أن نظراتهن له كانت تحمل الاشمئزاز والضيق. لم يجرؤ أحد على مواجهته علنًا خوفًا من انتقامه.

لم تسلم منه أولياء الأمور أيضًا، خاصة الأرامل والمطلقات. كان يراقب من بين أوراق ملفات الطلاب ليعرف الحالات الاجتماعية لأمهاتهم. فإذا وجد إحداهن مطلقة أو أرملة، وتملك وضعًا ماديًا جيدًا، بدأ يتقرب منها بلطف ظاهر. كان يعرض خدماته المبالغ فيها، سواء بتسهيل أمور أبنائهن أو حتى بتقديم النصائح الدينية كأنه مرشد روحي. كان يتخذ من مكتبه، الذي امتلأ برائحة البخور وصوت القرآن، غطاءً لأفعاله المشينة.

ورغم كل هذا، كان جلال حريصًا على الظهور أمام الجميع بصورة الرجل المتدين. كان يحرص على الصلاة في المسجد، ويدعو الجميع إلى الالتزام بتعاليم الدين. كان يتحدث عن الأخلاق، وعن الحلال والحرام، وكأنه مثال للنزاهة. لكن الأيام لا تخفي الحقائق.

   ذات يوم، اجتمعت مجموعة من المعلمات في إحدى الزوايا البعيدة عن مكتبه. بدأت إحداهن، وهي معلمة جديدة تُدعى مروة، تروي تجربتها مع جلال، وكيف حاول إيهامها بأنه معجب بها، مستخدمًا كلمات منمقة وسلوكًا متصنعًا. سرعان ما تبعتها الأخريات، وبدأت الحكايات تتوالى. اكتشفن جميعًا أنهن كن هدفًا لسلوكه المتكرر.

    في الوقت ذاته، بدأت الشائعات تصل إلى أولياء الأمور. كانت أم طالب تُدعى السيدة ليلى، أرملة ميسورة الحال، قد شعرت بشيء غريب في تصرفاته. تحدثت إلى أمهات أخريات، واكتشفت أنهن أيضًا تعرضن لمحاولاته المشبوهة.

    الأمر لم يعد يحتمل الصمت. قررت مجموعة من أولياء الأمور والمعلمات مواجهته. في يوم من الأيام، وبعد انتهاء الدوام، تجمعوا جميعًا أمام مكتبه. عندما دخلوا، وجدوه يؤدي صلاة النوافل، كما كان يفعل دائمًا ليغلف أفعاله بستار التدين.

   أنهى صلاته، والتفت إليهم مبتسمًا، لكنه فوجئ بنظرات الغضب في أعينهم. بدأت المواجهة بصوت المعلمة مروة: “السيد جلال، كفى. نحن نعلم كل شيء عن تصرفاتك. كفاك تخفيًا وراء هذا القناع!”

حاول الإنكار والظهور بمظهر الضحية، لكن الأدلة كانت كثيرة: رسائل مسجلة، شهادات نساء، وحتى رسائل مكتوبة بخط يده وُجدت في مكتبه.

“أنت تستغل موقعك وسلطتك لتدمير حياة الناس!” قالت السيدة ليلى بغضب.

لم يستطع جلال التملص هذه المرة. أصيب بالذهول عندما وجد الجميع متحدين ضده. تم تقديم شكوى رسمية إلى إدارة التعليم، وتدخلت الشرطة بعد أن تم الكشف عن حقائق أكثر خطورة حول محاولاته للإيقاع بالنساء.

في النهاية، تم فصله من العمل وتقديمه للمحاكمة، لينكشف حقيقته المزرية أمام الجميع. أصبح حديث الناس في المدينة، ولم يجد مكانًا يفر إليه من خزيه.

هكذا، سقط القناع، وتعلم الجميع درسًا هامًا: لا تغتروا بالمظاهر، فالأفعال دائمًا تكشف الحقائق.

زر الذهاب إلى الأعلى