قضية المرأة ودورها في المجتمع

بقلم الدكتور أشرف زيدان

     شهد العصر الفيكتوري العديد من التحولات التاريخية التي أثارت نقاشات وجدلًا واسعًا حول طبيعة ودور المرأة، فيما عرف حينها بـ“قضية المرأة”. ساهم توسيع حق الانتخاب بموجب قوانين الإصلاح لعامي 1832 و1867 في تحفيز النقاش حول الحقوق السياسية للنساء. وعلى الرغم من أن المرأة في إنجلترا لم تحصل على حق التصويت حتى عام 1918، إلا أن المطالبات بهذا الحق بدأت مبكرًا، حيث قُدمت عرائض إلى البرلمان منذ أربعينيات القرن التاسع عشر. كما برزت قضية أخرى ذات أهمية كبيرة، وهي منح النساء المتزوجات حق امتلاك وإدارة ممتلكاتهن الخاصة. توجت هذه الجهود بإصدار سلسلة من قوانين ملكية المرأة المتزوجة بين عامي 1870 و1908.

    أحدثت الثورة الصناعية تغييرات كبيرة في حياة النساء أيضًا. فقد أدى النمو الهائل في صناعات النسيج إلى انخراط مئات الآلاف من نساء الطبقة العاملة في وظائف المصانع، حيث واجهن ظروف عمل قاسية. كما شكلت طبيعة العمل الجديد والفقر المصاحب للثورة الصناعية تحديًا للمفاهيم التقليدية حول دور المرأة ومكانتها. بالإضافة إلى ذلك، بدأت أصوات من الطبقة المتوسطة في التشكيك في الأفكار السائدة بشأن المرأة، مما أضاف بُعدًا جديدًا للنقاشات حول دورها في المجتمع.

201

     في كتابها “أفكار امرأة عن النساء”، تقارن الروائية داينا ماريا مولوك بين مسارات حياة توم وديك وهاري، الذين يغادرون المدرسة ويخوضون غمار الحياة، وبين “الفتيات” اللاتي “يُنهين تعليمهن ثم يعدن إلى المنزل ويبقين فيه”. تعبر مولوك عن أسفها لأن هؤلاء الفتيات “ليس لديهن ما يقمن به حرفيًا”. وبطريقة مشابهة، كتبت فلورنس نايتنجيل، التي اشتهرت لاحقًا بتنظيم فريق من الممرضات لرعاية الجنود المرضى والجرحى خلال حرب القرم، بشغف في كتابها “كاساندرا” عن الثمن الذي تدفعه النساء نتيجة غياب الفرص لتحقيق طموحاتهن البطولية.

     تعكس الصور الشعبية لفلورنس نايتنجيل، المعروفة بـ”السيدة التي تحمل المصباح”، تناقضًا في إنجازاتها. فعلى الرغم من أن جهودها في تنظيم فرق التمريض شكلت تقدمًا كبيرًا في رعاية المستشفيات، إلا أن صورتها وهي تعتني بالجرحى تعكس رؤية تقليدية لدور المرأة. وتظهر مفارقة مشابهة في شخصية الملكة فيكتوريا، فبالرغم من كونها ملكة الإمبراطورية البريطانية، فإن اللوحات والصور الفوتوغرافية لها، مثل لوحة “العائلة الملكية” التي رسمها وينترهالتر عام 1846، تصورها في سياقات وأدوار أنثوية تقليدية.

     تتناول النصوص في هذا السياق التحديات التي تواجهها النساء اللواتي أُجبرن على خوض أنواع جديدة من العمل، إلى جانب الرؤى المتباينة بين من أشاد بالحياة المنزلية ومن دعم جهود النساء لتحقيق التقدم خارج نطاق المنزل. تعكس المقابلات التي أجراها الصحفي هنري مايو مع خياطة وبائعة فواكه الصعوبات التي واجهتها هاتان المهنتان. في كتاب “حدائق الملكة”، يحتفي جون رسكين بـ”الزوجة المثالية”، بينما تقدم إليزابيث إيستليك في كتابها “سيدات مسافرات” الزوجة كنموذج وطني، في حين تسخر إليزا لين لينتون في “فتاة المرحلة” من المرأة العصرية. على الجانب الآخر، تعبر شخصيات سردية مثل جين آير في رواية “شارلوت برونتي”، والآنسة بارفوت في كتاب جورج جيسينج “النساء الغريبات”، بشغف عن الرغبة في استكشاف الحياة المليئة بالأحداث والعواطف. تكشف هذه النصوص عن تعقيد النقاش الذي دار في العصر الفيكتوري حول ما عُرف بـ”قضية المرأة”.

زر الذهاب إلى الأعلى