قصة قصيرة بقلم الدكتور ناصر الجندي بعنوان “هواجس وكيل المدرسة”
بقلم الدكتور ناصر الجندي
كان منصور وكيل المدرسة يُعرف بين زملائه وطلابه بالحزم والانضباط. لكنه كان يحمل في داخله قلقًا دفينًا، تحوّل مع الوقت إلى هاجسٍ غريب. فقد كان يعتقد أن كل ما يُكتب في أي مكان يدور حوله، وكأنه محور الكون أو هدف لمؤامرة خفية.
ذات صباح، وبينما كان منصور يتجول في ساحة المدرسة للتأكد من نظافتها وانضباط الطلاب، وقعت عيناه على ورقة صغيرة ملقاة بجانب إحدى الأشجار. انحنى ببطء والتقطها، ثم قرأ ما فيها:
“الرجل العصبي يثير المشاكل.”
تسمرت عيناه على الجملة، وبدأ قلبه يخفق بسرعة. همس لنفسه: “من الذي كتب هذا؟ وهل يقصدونني؟” أخذ الورقة معه ودخل مكتبه بخطوات مسرعة، وهو يُقلّب الأمر في رأسه.

في اليوم التالي، أثناء اطلاعه على جريدة محلية في غرفة المعلمين، قرأ مقالًا يتحدث عن ضرورة أن يتحلى قادة المؤسسات التربوية بالهدوء والحكمة. ارتفعت حرارة وجهه وشعر أن العرق يتصبب من جبينه. همس مرة أخرى: “إنهم يهاجمونني… بطريقة غير مباشرة!”
وبينما كان يحاول تجاهل أفكاره، قرر أن يُلقي كلمة في طابور الصباح. صعد إلى المنصة، وبصوت مملوء بالتوتر قال:
“أيها الطلاب الأعزاء… أود أن أنبهكم إلى أهمية الاحترام وعدم التدخل في شؤون الآخرين. وأحذركم من كتابة أشياء غير لائقة قد تضر بسمعة الناس، سواء في المدرسة أو خارجها!”
نظر الطلاب إلى بعضهم البعض بحيرة، فلم يفهموا ما يقصده. لكن أحد المدرسين لم يستطع كتمان ابتسامته، لأنه عرف تمامًا أن منصور كان يقصد الورقة التي وجدها بالأمس.
ومع مرور الأيام، أصبح هاجس منصور يزداد سوءًا. كلما رأى عبارة هنا أو هناك، ظن أنها موجهة إليه. حتى أنه بدأ يفتش في دفاتر الطلاب وأوراقهم بحثًا عن “رسائل خفية”. لم يسلم أي كتاب أو ملاحظة من تفتيشه.
في أحد الأيام، دعا مدير المدرسة منصور إلى مكتبه، وبدأ حديثه بحزم:
“منصور، لقد لاحظت أنك مشتت في الآونة الأخيرة، وتتحدث عن أمور غريبة مع الطلاب والمعلمين. هل كل شيء على ما يرام؟”
تردد منصور للحظات، لكنه لم يستطع كتمان الأمر أكثر:
“سيدي المدير، أشعر أن هناك من يكتب عني أشياء في كل مكان… في الأوراق، في الصحف، حتى في الكتب!”
ضحك المدير بهدوء وقال:
“منصور، أحيانًا عندما نبالغ في التركيز على أنفسنا، نرى ما لا وجود له. ربما ما تشعر به ليس إلا انعكاسًا لمخاوفك.”
خرج منصور من المكتب محرجًا، لكنه لم يستطع التخلص من هواجسه بسهولة. وبينما كان يسير في الممر، مر بجانب سبورة كتب عليها أحد الطلاب: “الثقة بالنفس أساس النجاح.”
توقف منصور للحظة، ثم تمتم لنفسه:
“هل يقصدون أنني فاقد الثقة؟ أم أنني أبالغ فعلًا؟”
لكن هذه المرة، قرر أن يبتسم ويتجاهل الفكرة، على أمل أن يتعلم أخيرًا أن ليس كل ما يُكتب في هذا العالم يدور حوله.