قصة قصيرة بقلم الدكتور ناصر الجندي بعنوان “منصور وقلبه المثقل بالظلال”

بقلم الدكتور ناصر الجندي

  كان منصور، ابن الحي الشعبي، نجمًا لامعًا في ملاعب الحي الترابية. في كل مرة تبدأ المباراة، يتسابق الأطفال لاختياره ضمن فريقهم، فهو اللاعب الذي يمكنه قلب الموازين بلمسة واحدة من قدمه السريعة والماهرة. كان الجميع يعجب بمهاراته، لكنه في أعماقه لم يكن يرى في زملائه سوى منافسين، بل أعداءً يهددون بريقه.

منصور كان يحمل داخله مزيجًا غريبًا من الفخر والعداوة. حين يسجل هدفًا، تملأ وجهه ابتسامة رضا، لكنه ينظر لزملائه بنظرة تخفي حقدًا مكبوتًا، وكأن كل نجاح له يجب أن يكون منسوبًا لنفسه فقط. لم يكن يصرّح بذلك علنًا، بل كان يخفي مشاعره خلف قناع من المجاملات والتعاون الزائف.

لم يكن هذا الخراب النفسي في قلب منصور وليد اللحظة. نشأ في منزل لا يعرف التوازن. والده دائمًا ما كان يقول له: “لا تثق بأحد. العالم كله ضدك. إذا أردت النجاح، عليك أن تسحق الآخرين قبل أن يسحقوك.” ووالدته كانت تمجد إنجازاته الصغيرة، لكنها كانت تنتقص من الآخرين أمامه، فتقول له: “أنت أفضل منهم جميعًا. لا أحد يستحق ثقتك.”

ومع مرور الوقت، أصبح منصور يحمل داخله شكًا دائمًا تجاه نوايا الآخرين.

88

في إحدى المباريات، قرر الفريق المنافس إشراك طفل جديد يُدعى سامي، لم يكن ماهرًا مثل منصور، لكنه كان يتمتع بروح جماعية وحب كبير للعب. لاحظ منصور أن زملاءه بدأوا يثنون على سامي بسبب تمريراته الدقيقة وتشجيعه لزملائه. بدأ الحقد يشتعل في قلب منصور، لكنه لم يُظهر شيئًا.

أثناء المباراة، مرّر سامي الكرة لمنصور الذي راوغ الدفاع وسدد هدفًا رائعًا. اندفع الأطفال نحو منصور ليهنئوه، لكن سامي كان أول من قال له: “رائع يا منصور! نحن محظوظون بوجودك في الفريق.”

كانت كلمات سامي تبدو صادقة، لكن منصور شعر وكأنها طعنة خفية. داخله صوت يقول: “إنه يحاول أن يأخذ مكاني. يريد أن يخطف الأضواء مني.”

مع نهاية المباراة، كان الجميع يتحدث عن الأداء الرائع للفريق، لكن منصور لم يستطع أن يشعر بالسعادة. عاد إلى المنزل وهو يحمل على كتفيه عبئًا ثقيلًا من الكراهية والشك. جلس وحده في غرفته، يتأمل كرته القديمة، وقال لنفسه: “لن أسمح لأحد بأن يأخذ مني ما بنيته. سأظل الأفضل.”

زر الذهاب إلى الأعلى