قصة قصيرة بقلم الدكتور ناصر الجندي بعنوان “منصور وصناعة الوهم”

   بعد أن تم استبعاد منصور من مدرسته السابقة بسبب تجاوزاته وكشف زيفه، نُقل إلى مدرسة أخرى في منطقة بعيدة. ظن الجميع أن هذا التغيير سيضع حدًا لسلوكياته، لكنه رأى في النقل فرصة جديدة ليعيد لعبته القديمة بأسلوب أكثر جرأة.
  في مدرسته الجديدة، بدأ منصور في بناء شبكة جديدة من العلاقات، مستهدفًا بشكل خاص السيدات العاملات في المدرسة، سواء كن مدرسات أو إداريات. كان يدرك جيدًا نقاط ضعف كل واحدة منهن: الحاجات المادية، الطموحات المهنية، أو حتى السعي للحصول على دعم إداري.
في البداية، أظهر منصور وجهه المزيف المعتاد؛ الرجل المتدين، الحكيم، والمتعاون. بدأ يُظهر اهتمامًا خاصًا بالأستاذة ليلى، معلمة الرياضيات، التي كانت أمًا لطفلين وتعاني من ضغوط الحياة اليومية. اقترب منها منصور بطريقة ملتوية، حيث كان يتحدث عن مساعدتها في الحصول على مكافآت إضافية أو تحسين جدول حصصها إذا احتاجت إلى وقت إضافي مع أسرتها.
قال لها ذات مرة:
  “أنتِ تستحقين الأفضل، ليلى. وأعدك بأن أكون دائمًا في صفك. كل ما تحتاجينه هو أن تثقي بي.”
في البداية، شعرت ليلى بالخجل، لكنها لاحقًا اكتشفت أن كلماته كانت تحمل نوايا أخرى. حين حاول منصور التلميح بطلبات شخصية، ردت عليه بحزم:
“أنا أقدر تعاونك، أستاذ منصور، لكنني لا أحتاج إلى أكثر من ذلك. أريد أن أُعامل مثل أي زميلة أخرى.”
كانت كلماتها بمثابة خنجر أصاب غروره. شعر بالإهانة وتحولت وعوده بالدعم إلى حملة تشويه ضدها. بدأ ينشر شائعات بين الزملاء بأنها “غير متعاونة” و”تحاول إثارة المشكلات”. كما حاول التلميح أمام الإدارة بأنها تفتقر إلى الكفاءة في أداء عملها.

ن 20005   في المقابل، كانت هناك الأستاذة مها، المعلمة الشابة التي رأت في منصور سلّمًا سريعًا لتحقيق أهدافها. استجابت لإغراءاته الناعمة وبدأت تتقرب منه بشكل واضح. استغل منصور ذلك ليقدمها كـ”نموذج مثالي” أمام الجميع. منحها امتيازات لا تُمنح لغيرها، مثل الحصص المريحة والمكافآت الإضافية، مما أثار استياء باقي المدرسات، خاصة ليلى.
قالت إحدى المدرسات لزميلتها:
   “كيف تُمنح مها كل هذه الامتيازات؟ الجميع يعرف أنها لا تمتلك الخبرة الكافية!”
ومع مرور الوقت، بدأ زيف منصور يتكشف. ازدادت التوترات بين طاقم المدرسة، خاصة مع انتشار الأحاديث عن تمييزه الواضح. ليلى، التي كانت تعاني من الشائعات، قررت أن تواجهه مباشرة. في أحد الاجتماعات العامة، قالت بصوت واضح:
“أستاذ منصور، نريد أن نفهم لماذا تُمنح بعض المدرسات امتيازات خاصة دون وجه حق؟ هل هذه طريقة لتحقيق العدالة في العمل؟”
شعر منصور بالارتباك، لكنه حاول التهرب من الإجابة:
“أنا أفعل ذلك بناءً على الأداء والكفاءة. من يعمل بجد يستحق المكافأة.”
لكن كلمات ليلى حفزت المدرسات الأخريات للحديث. بدأت الأصوات تتعالى، وكل واحدة تكشف جزءًا من الحقيقة. وبمرور الوقت، بدأ منصور يفقد السيطرة على صورته التي حاول رسمها.
في النهاية، وصل الأمر إلى الإدارة التعليمية، التي قررت فتح تحقيق في شكاوى طاقم المدرسة. ظهرت أدلة قوية على تمييزه وسوء استغلال منصبه، مما أدى إلى نقله مرة أخرى إلى مدرسة أقل مكانة، وسط تراجع كامل لسمعته.
خرج منصور من المدرسة وهو يشعر بالهزيمة، لكن عقله لم يتوقف عن محاولات تبرير أفعاله. وبينما كان يسير في الطرقات وحيدًا، تمتم لنفسه بصوت منخفض:
“أنا على حق… والنبي أنا صح… المشكلة فيهم، مش فيّ.”
أما المدرسة، فقد استعادت توازنها بغيابه، وبدأت ليلى وزميلاتها في العمل في أجواء أكثر عدلاً، مدركات أن الحق سينتصر مهما طال الظلم.

زر الذهاب إلى الأعلى