وماذا بعد فوز ترامب “رؤية تحليلية”

بقلم الدكتور ناصر الجندي

  يشكل فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية مرحلةً سياسية جديدة لها تداعيات عديدة على الصعيدين المحلي والدولي. وتأتي هذه التداعيات في سياق دور الولايات المتحدة بوصفها فاعلاً رئيسياً على الساحة العالمية، وبالتحديد في الشرق الأوسط، حيث تلعب السياسات الأمريكية دورًا محوريًا في تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي والأمني. في هذا المقال، نتناول تأثير فوز ترامب على العالم العربي بصفة عامة، ونركز بشكل خاص على أثر ذلك على مصر، نظرًا لعلاقاتها الاستراتيجية والاقتصادية المتينة مع الولايات المتحدة.

تأثير فوز ترامب على العالم العربي
1. السياسات الخارجية للولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط
أثناء فترة رئاسته الأولى، تميزت سياسة ترامب الخارجية بنهج “أمريكا أولاً” والتركيز على تقليل تدخل الولايات المتحدة في الصراعات الخارجية، باستثناء الحالات التي تمس المصالح الأمريكية مباشرة. وقد انعكس ذلك على دول المنطقة بطرق عدة، أبرزها التخلي عن الدور التقليدي الذي كانت تلعبه الولايات المتحدة في الوساطة والنزاعات، وتركيزها على المصالح الاقتصادية والعسكرية.

2. القضية الفلسطينية وصفقة القرن
واحدة من أبرز القضايا التي تأثرت بسياسات ترامب هي القضية الفلسطينية، حيث اتخذ خطوات مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهو ما عُرف بـ”صفقة القرن”. أثار هذا القرار غضبًا واسعًا في الدول العربية واعتُبر تجاوزًا للحقوق الفلسطينية. ورغم التباين في مواقف الحكومات العربية، أدى هذا القرار إلى زعزعة الثقة بالدور الأمريكي كوسيط في عملية السلام.

3. العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية
تتبنى الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب سياسة تقوم على “المنفعة المتبادلة”، وتطلب من الدول العربية تحمل مسؤولية أكبر في تغطية تكاليف الأمن الإقليمي. ومع دخول ترامب فترة رئاسية جديدة، قد يعمق هذا النهج، مما قد يؤثر سلباً على اقتصادات الدول التي تعتمد على الدعم العسكري الأمريكي، ويعزز الضغوط المالية التي تواجهها تلك الدول في ظل تحديات اقتصادية وأمنية.

ناصر 8000

التأثيرات على مصر
1. العلاقات السياسية والأمنية
شهدت العلاقات المصرية الأمريكية استقرارًا في عهد ترامب، حيث أكدت الإدارة الأمريكية على دعمها لمصر في مجال مكافحة الإرهاب. ومع فوز ترامب، من المحتمل أن يستمر الدعم في هذا الجانب، لا سيما في ظل المخاوف المشتركة من تمدد الإرهاب في المنطقة. وقد يُترجم ذلك إلى مزيد من التعاون الأمني والتدريب وتبادل المعلومات، لكن دون تدخل مباشر أو دعم غير مشروط.
2. التأثيرات الاقتصادية
تلعب المساعدات الأمريكية دورًا مهمًا في الاقتصاد المصري، سواء على الصعيد العسكري أو التنموي. ومع سياسة “أمريكا أولاً”، يمكن توقع تخفيض في حجم هذه المساعدات، ما لم تقدم مصر مزيدًا من التنازلات التي تتماشى مع المصالح الأمريكية، خصوصاً في مجالات حقوق الإنسان والسياسات الإقليمية. وعلى الجانب الآخر، قد يسعى ترامب لفتح قنوات استثمارية أوسع مع مصر، تماشياً مع سياسته التي تفضل دعم الاقتصاد من خلال الاستثمار المباشر بدلاً من المساعدات.
3. القضية الليبية والتأثير الإقليمي
لطالما كانت مصر مهتمة بالوضع في ليبيا بوصفه جزءًا من أمنها القومي، وتربطها مصلحة مباشرة في استقرار هذا البلد. ومن المرجح أن تدعم الولايات المتحدة بقيادة ترامب النهج المصري في معالجة الوضع الليبي، شرط ألا يتطلب ذلك التزامًا أمريكيًا عسكريًا مباشرًا. وهذا قد يشجع مصر على اتخاذ موقف أقوى في ليبيا بدعم أمريكي غير مباشر.
4. حقوق الإنسان والديمقراطية
على الرغم من الانتقادات التي توجهها منظمات حقوق الإنسان لسياسات الحكومة المصرية، فإن ترامب لم يكن يشدد على هذا الملف، وركز على المصالح الاقتصادية والأمنية. مع استمراره في الرئاسة، قد يستمر هذا النهج، مما قد يعطي السلطات المصرية حرية أكبر في معالجة القضايا الداخلية دون ضغوط أمريكية كبيرة في هذا المجال.

التداعيات المحتملة على السياسة المصرية
قد تؤدي فترة رئاسة ثانية لترامب إلى وضع مصر في موقف يجعلها تتحمل مسؤولية أكبر في تعزيز استقرارها واستقرار المنطقة، خصوصاً في ظل تراجع الدعم المالي المباشر. ومع ذلك، يتيح هذا الوضع لمصر فرصة لتعزيز موقفها في القضايا الإقليمية وتوسيع دائرة علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا، بحيث تبني سياسة خارجية متعددة الأبعاد.

الخلاصة
يبدو أن فوز ترامب يحمل في طياته تحديات وفرصًا لمصر والعالم العربي على حد سواء. فمن ناحية، يعزز الاستقلالية السياسية لبعض الدول ويعطيها مساحة أكبر للتحرك في قضايا إقليمية ودولية دون التدخل الأمريكي المكثف. ومن ناحية أخرى، يزيد الضغوط المالية والسياسية، خصوصاً في ظل توجه ترامب لإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية بما يخدم مصالح بلاده بالدرجة الأولى. في هذا السياق، تجد مصر نفسها أمام خيارات متعددة، تتطلب منها التخطيط الدقيق للحفاظ على مصالحها الوطنية وتعزيز أمنها القومي ودورها في المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى