
حكمة الموت
تعقيبي على المقال الإسبوعي للناقد الأكاديمي الجليل أ.د.أحمد فرحات بعنوان”موت لذيذ” :
حكمة الموت
========
بقلم
الشاعر.عباس محمود عامر
“مصر”
الموت تتوقف فيه جميع أجهزة الجسم وتنقطع كل صلاته وينفصل عن الحياة تماما .. الموت هو رحيل الروح عن الجسد .. وفيه يجلس ملاك الموت على رأس الميت ويقول للروح اخرجي إلى ربك راضية مرضية .. تخرج الروح بأمر ربها ..
كان يمكن الله سبحانه وتعالى أن يحيينا لأبد الآبدين بلا موت .. لتكون الحياة ممتدة دون انقطاع .. ويمكن أن يحاسب الفرد في حياته فقط مرة واحدة .. ولكن الله له حكمة في إنهاء الحياة إلى يوم القيامة .. وجعل الموت مرحلة يجب أن يمر بها الإنسان .. له حكمة في وجودية الموت .. لتتجلى في ذلك قدرته وعظمته وأنه خالق ومالك الكون وما فيه .. ولولا الموت ما كانت الأرض تتسع للبشر والحيوانات والكائنات والحشرات وكل مخلوقات الله .. فالموت حكمة في الخلائف بين البشر وغيرهم .. في إراحة الإنسان من نكبات الحياة .. فالموت له أسباب وأنواع مختلفة .. يحددها الله سبحانه وتعالى بأقداره .. وحكمة الموت نراها تتجلى في هذه الآية الكريمة: “الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور “.
أول حالة موت منذ بدء الخليقة.. وأول جريمة في تاريخ البشرية هي مقتل هابيل على يد أخيه قابيل ..حيث تمت هذه الجريمة في مغارة تسمى مغارة الأربعين سميت بعد ذلك بمغادرة الدم في بطن جبل الأربعين أعلى قمة لجبل قاسيون بدمشق عاصمة سوريا.. وهذا الجبل انشق من هول هذه الجريمة البشعة .. وانبثقت منه قطرات الماء ..كإنهمار الدموع من الجبل.. تنساب منه حتى وقتنا هذا ..
كتب علي بن ابي طالب عليه السلام عن الموت في هذه الابيات الجميلة:
“النفس تبكي على الدنيا وقد علمت
إِن السلامة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
إِلا التي كان قبل الموت بانيها
فإِن بناها بخير طاب مسكنها
وإِن بناها بشر خاب بانيها
أين الملوك التي كانت مسلطنة
حتى سقاها بِكأس الموت ساقيها” .
يقول وليم شكسبير عن الموت : “يموت الجبناء مرات عديدة قبل أن يأتي أجلهم، أما الشجعان فيذوقون الموت مرة واحدة” .
ومن رباعيات “عمر بن الخيام” عن الموت :
لا تحسبوا أنى أخاف الزمان
أو أرهب الموت اذا الموت أنه
الموت حق. لست أخشى الردى
وانما أخشى فوات الآوان .
كما أن الطبيب الشاعر إبراهيم ناجي حينما كان يفحص أحد مرضاه فمات ..
انطبقت عليه نادرة من نوادر الموت “وهكذا ظل يمارس الطب حتى توفي وهو يمارسه”.
أجل ختام لحكمة الموت في قوله تعالي: “يا أيتها النفس المطمئنة .. ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ” .
تناول قلمك الرائع دكتورنا الجليل فكرة الموت التي لا يمكن أحد أن ينكرها في هذا الوجود .. تناولت هذه الفكرة في سياق من اللذة رغم رهبة الموت .. فبرزت السطور جمال الموت .
======================
موتٌ لذيذ
بقلم
أ.د.أحمد فرحات
بالتأكيد –هنا– لا أتناول الموت داخل الحمام اختناقا بالغاز، ولا عندما يسأل أحدهم عن الحب فتجيب إنه موت لذيذ؛ ولا المراد هنا الموت الصغير الذي يتجرد فيه المرء من وثاق الروح ويلج عالم اللذة الدنيوية؛ بل أتناول الموضوع لدى الشعراء وما يصورونه من دلالات لذيذة. والحق أن الموت كما قال أحد الصحابة:حبذا بالموت إن جاء الأجل الموت لذيذ كالعسل.
وقال العقاد: عند الحب حياة يهون من أجلها الموت, وموت تباع من أجله الحياة..
الموت هو الحقيقة الكبرى في الحياة، ولا موت إلا موت المشاعر، والجيوب عندما تكون عاجزة عن تلبية احتياجات من تعول، ووقوفك عاجزا أمام رغبات النفس واشتهائها لملذات الحياة.
فقد كان المهلبي يقاسي ضعف حاله وفقره، ويعاني ما يعاني من شظف العيش، ورقة الحال، فبينما هو ذات يوم في بعض أسفاره مع رفيق له؛ إذ لقي في سفره نصباً، واشتهى اللحم، فلم يقدر على ثمنه، فقال ارتجالاً:
ألا موتٌ يباعُ فأشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا موتٌ لذيذُ الطعم يأتي يخلّصني من العيش الكريه
إذا أبصرتُ قبراً من بعيد وددتُ لو آنني ممّا يليه
ألا رحم المهيمن نفس حرٍّ تصدّق بالوفاة على أخيه
(تأمل قوله: موت لذيذ يخلصه من فقره ومعاناته في كد الحياة وشقائها)
فترفق صديقه له، وأشفق عليه، فاشترى له بدرهم واحد لحماً، فأسكن به رغبته في اللحم، .. ودار الزمان دورته، وتبدل الحال، بعد أن ضرب الدهر ضرباته، حتى ترقت حالة المهلبي إلى أعظم درجة من الوزارة فقال:
رقّ الزمان لفاقتي ورثى لطول تحرّقي
وأنالني ما أرتجى وأجار مما أتّقي
فلأصفحنْ عمّا أتا ه من الذنوب السبّق
حتى جنايته بما فعل المشيب بمفرقي
ووقع الرفيق الذي اشترى له اللحم تحت كلكل من كلاكل الدهر، ثقل عليه بركه، وهاضه عركه، فقصد حضرته، وتوصل إلى إيصال رسالة إلى صديقه بعد أن أصبح وزيرا، تتضمن أبياتاً منها:
ألا قل للوزير فدته نفسي مقال مذكّر ما قد نسيهٍ
أتذكر إذ تقول لضنك عيشٍ ألا موتٌ يباع فأشتريه؟
فلما نظر فيها تذكَّرَهُ، وهزّته أريحية الكرم، للحنين إليه، ورعاية حق الصحبة فيه، وأمر له في عاجل الحال بسبعمائة درهم ووقّع في رقعته “(أي كتب إليه رسالة)وذكر قول الله تعلى:” مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) البقرة.
ثم دعا به وخلع عليه، وقلده عملاً يرتفق به، ويرتزق منه.
ومازلنا مع “الموت اللذيذ”.. فعندما شاعت الموسيقا وانتشرالغناء والشعر في ربوع الأندلس أثناء حكم المسلمين، ودّع المعتضد بن عباد الحياة على عزف الموسيقا، وصوت الشعر؛ إذ أرسل- وهو على فراش الموت- للصقلي المغني، فأجلسه وأنسه، وأمره بالغناء جاعلاً ما يبتدئ غناءه به فألاً في أمره، وقد استشعر انقراض ملكه وحلول هلكه فغنى:
نَطْوي اللَّيالِي عِلْمَاً أن سَتَطوِينا
فشَعشِعِيها بماءِ المُزنِ واسقِينا
وتَوِّجي بكؤوسِ الراحِ أيديَنا
فإِنما خُلقَت للرَّاحِ أيدينا
قامت تَهُزُّ قَواماً ناعماً سَرَقت
شَمائلَ البانِ من أعطافِه لِينا
قد ملَّكَتنا زِمامَ العَيشِ صافيةً
لو فاتَنا المُلكُ راحَت عنه تُسلِينا
لمّا رأيتُ عُيونَ الدهرِ تَلحَظُنا
شَزْراً تيقَّنتُ أنَّ الدَّهر يُردينا
وهكذا مات المعتضد على أنغام الموسيقا وصوت الطرب وسماع العزف، فمات ميتة لذيذة. كما ودعت الفنانة صباح الحياة على أنغام الموسيقا والطرب لتموت ميتة (لذيذة)!
**********