أدب

فن العطاء لا تكن شمعة تحرق نفسها لتضيء من أجل الآخرين

بقلم د : خالد السلامي 

العطاء من أجمل الصفات الإنسانية النبيلة التي تعكس سمو الأخلاق ورقي النفس البشرية. فهو يجسد معاني التضحية والإيثار والتكافل الاجتماعي، ويسهم في بناء مجتمع متماسك ومترابط. لكن في بعض الأحيان، قد يبالغ الإنسان في العطاء على حساب نفسه وصحته وسعادته، فيصبح كالشمعة التي تحرق نفسها لتضيء للآخرين. فهل هذا هو المطلوب حقاً؟ وما هي الحدود الصحية للعطاء؟

في زحمة الحياة وسعيها المستمر، يُعد العطاء إحدى الركائز الأساسية التي تغذي روح الإنسانية وتنير دروب الحياة. العطاء، بأشكاله المتعددة من الزمن، المال، الجهد، أو حتى الكلمات الطيبة، يمكن أن يكون مصدرًا للبهجة والإيجابية للمعطي والمتلقي على حد سواء. ومع ذلك، في مسعانا لكوننا شموعًا تضيء دروب الآخرين، قد ننسى أحيانًا أن لكل شمعة لهبها الذي يجب أن يُغذى ليستمر في الإضاءة. “لا تكن شمعة تحرق نفسها لتضيء من أجل الآخرين”، هذه العبارة تحمل بين طياتها حكمة عميقة تتعلق بفن العطاء وأهمية العناية بالذات.

العطاء، عندما ينبع من قلب صافٍ ونية خالصة، يمكن أن يكون مصدرًا للسعادة والرضا. ولكن، ليكون هذا العطاء مستدامًا ومفيدًا حقًا، يجب أن يأتي من مكان من الوفرة، لا من الإنهاك والتضحية الذاتية المفرطة. يجب على المرء أن يتعلم كيفية العناية بنفسه أولًا، مدركًا أن الاهتمام بالذات ليس أنانية بل هو الأساس الذي يقوم عليه العطاء الصحي والمتوازن.

أهمية العطاء والإيثار

لا شك أن العطاء من الفضائل الحميدة التي حثت عليها الأديان السماوية وأكدت على أهميتها في بناء المجتمعات الصالحة. فالعطاء يجلب السعادة والرضا النفسي، ليس فقط للمتلقي، بل وللمعطي أيضاً. فعندما نعطي بسخاء ونساعد الآخرين، نشعر بالفرح والامتنان والرضا عن النفس. كما أن العطاء يقوي أواصر المحبة والتراحم بين الناس، ويعزز الشعور بالانتماء والترابط الاجتماعي. فالمجتمع الذي يسوده التكافل والتعاون يصبح أكثر قوة ومنعة في مواجهة التحديات. وقد أثبتت الدراسات العلمية أن للعطاء والتطوع آثاراً إيجابية على الصحة الجسدية والنفسية، فهو يقلل من التوتر والاكتئاب، ويعزز جهاز المناعة، ويطيل العمر. فسبحان الله الذي جعل في العطاء والإحسان الخير الكثير لمن يفعله.

حدود العطاء وأهمية الموازنة 

على الرغم من أهمية العطاء والبذل، إلا أن الإفراط فيه على حساب الذات قد يكون له عواقب سلبية. فالإنسان بطبيعته لديه احتياجات أساسية ينبغي تلبيتها، سواء كانت جسدية أو نفسية أو اجتماعية. وإهمال هذه الاحتياجات والتفريط فيها من أجل الآخرين قد يؤدي إلى الإرهاق والاستنزاف، وفقدان التوازن والصحة النفسية. فكما يُقال: “لا تعط ما لا تملك”، فمن المهم أن نعطي من فائض ما لدينا، وليس من رصيدنا الأساسي.

إن فن العطاء الحقيقي يكمن في الموازنة الحكيمة بين حاجات النفس وحاجات الآخرين. فلا ينبغي أن نستنزف أنفسنا ماديًا أو معنويًا لدرجة العجز عن القيام بمسؤولياتنا وأدوارنا في الحياة. فالتضحية المفرطة قد تؤدي إلى الندم والإحباط، وربما الشعور بعدم التقدير من قِبل الآخرين. كما أن احترام الذات وتقديرها وتلبية احتياجاتها يعزز ثقتنا بأنفسنا ويمنحنا الطاقة اللازمة لمواصلة العطاء بشكل أفضل وأكثر استدامة. فنحن بحاجة لأن نكون في حالة جيدة حتى نستطيع الاهتمام بالآخرين ومساعدتهم.

فهم العطاء المتوازن

العطاء المتوازن يتجاوز مجرد تبادل الهدايا أو المساعدات. إنه يتعلق بإيجاد توازن بين ما نقدمه للآخرين وما نحتفظ به لأنفسنا، تأكيدًا على أهمية ألا نفقد من ذواتنا في سبيل إسعاد الآخرين. فالشمعة التي تحرق نفسها لتضيء للآخرين، في النهاية، ستستهلك نفسها حتى لا يبقى منها ما يُضيء.

التفريق بين العطاء الصحي والتضحية الذاتية

العطاء يصبح مشكلة عندما يتحول إلى تضحية ذاتية مفرطة، حيث يبدأ الفرد بإهمال احتياجاته ورغباته الخاصة لمجرد إرضاء الآخرين. هذه التضحية قد تبدو نبيلة من الخارج، لكنها غالبًا ما تؤدي إلى الشعور بالإرهاق والاستياء، وربما الشعور بالوحدة وعدم التقدير.

أهمية العناية بالذات

العناية بالذات ليست مجرد عمل من أعمال الرفاهية؛ إنها جزء لا يتجزأ من عملية العطاء الصحي. عندما نعتني بأنفسنا، نضمن أننا نعطي من مكان من الوفرة، حيث لا نشعر بالنقص أو الفراغ بعد العطاء. هذا لا يعود بالنفع فقط على صحتنا الجسدية والنفسية، بل يزيد أيضًا من قدرتنا على تقديم مساعدة ذات معنى وتأثير إيجابي حقيقي على الآخرين.

خطوات نحو العطاء المتوازن

تحديد الحدود

وضع حدود صحية هو الخطوة الأولى نحو العطاء المتوازن. يجب أن تتعلم كيف تقول “لا” عند الضرورة، معترفًا بأن طاقتك ووقتك ومواردك محدودة. تحديد هذه الحدود لا يعني أنك شخص أناني، بل يعكس احترامك لذاتك ورغبتك في الحفاظ على صحتك العقلية والجسدية.

الاستماع للنفس

استمع إلى احتياجاتك ومشاعرك. إذا شعرت بالتعب أو الإرهاق، قد يكون ذلك إشارة إلى أنك تعطي أكثر مما يمكنك تحمله. تعلم الاستماع لجسدك وعقلك وتعطيهما الراحة والعناية التي يحتاجانها.

التعبير عن الامتنان

ممارسة الامتنان يمكن أن تساعد في تعزيز شعورك بالوفرة وتقدير الخير الذي في حياتك. عندما تركز على ما لديك وليس على ما تفتقده، يصبح العطاء أكثر سهولة ولا يأتي على حساب رفاهيتك.

عبر تبني هذه المبادئ، يمكننا تعزيز فن العطاء المتوازن في حياتنا، مع الحفاظ على صحتنا وسعادتنا. من خلال تغذية أنفسنا أولًا، نصبح أكثر قدرة على تقديم الدعم والمساعدة للآخرين بطريقة صحية ومستدامة.

التوصيات لتحقيق توازن صحي بين الأخذ والعطاء

لتحقيق التوازن المنشود بين العطاء والأخذ، هناك بعض النصائح والتوصيات التي يمكن الاسترشاد بها:

أولاً، من المهم أن نحدد أولوياتنا واحتياجاتنا الشخصية، ونخصص وقتاً كافياً لتلبيتها. فلا ينبغي أن نهمل صحتنا أو نومنا أو راحتنا النفسية في سبيل خدمة الآخرين. فالعناية بالنفس ليست أنانية، بل هي مسؤولية ومتطلب أساسي للحفاظ على قدرتنا على العطاء.

ثانياً، علينا أن نضع حدوداً واضحة ومعقولة للعطاء، بحيث لا تؤثر سلباً على حياتنا وأدوارنا الأساسية. فمن حقنا أن نقول “لا” بكل لطف وحكمة عندما نشعر أن المطالب تتجاوز طاقتنا أو تتعارض مع أولوياتنا. فلا يعني العطاء أن نكون دائماً تحت تصرف الآخرين وإملاءاتهم.

ثالثاً، علينا أن نتذكر دائماً أن العطاء لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل يشمل أيضاً العطاء المعنوي والوجداني. فأحياناً تكون كلمة طيبة أو ابتسامة صادقة أو دعاء مخلص بمثابة هدية قيّمة للآخرين. المهم أن يكون العطاء نابعاً من القلب، بدافع المحبة والشفقة الصادقة، لا بدافع المصلحة أو المنّة.

رابعاً، لا ينبغي أن نتردد في طلب المساعدة والدعم من الآخرين عند الحاجة. فكما نحب أن نعطي، ينبغي أن نتقبل أيضاً أن نأخذ من عطاء الآخرين عند الضرورة. فالحياة تبادل وتكامل بين الناس، والكل يحتاج للكل. ففي قبول العون والمساندة حكمة وتواضع، وتعزيز لقيم التعاون والتكافل في المجتمع.

في الختام، يمكننا القول إن العطاء سلوك حضاري راقٍ، وقيمة إنسانية نبيلة، تستحق كل تقدير وإعلاء. لكن الأجمل أن يكون العطاء متوازناً ومتناغماً مع احتياجات الذات والآخرين معاً. فلا إفراط ولا تفريط، بل اعتدال وحكمة في البذل والأخذ. فالتوازن هو سرّ الاستقرار والسعادة والنجاح في الحياة. والقصد في الأمور كلها هو مفتاح الخير والصلاح. فلنجعل من عطائنا شمعة تضيء بلطف وبساطة، لا ناراً تحرق كل ما حولها، ولنسعد بما نزرع من بسمات وأمل في نفوس الآخرين، دون أن ننسى أن نزرع أيضاً في أنفسنا بذور الرحمة والرضا والاعتناء.

المستشار الدكتور خالد السلامي – سفير السلام والنوايا الحسنة وسفير التنمية ورئيس مجلس إدارة جمعية أهالي ذوي الإعاقة ورئيس مجلس ذوي الهمم والإعاقة الدولي في فرسان السلام وعضو مجلس التطوع الدولي وأفضل القادة الاجتماعيين في العالم لسنة 2021 وحاصل على جائزة الشخصيه المؤثره لعام 2023 فئة دعم أصحاب الهمم وحاصل على افضل الشخصيات تأثيرا في الوطن العربي 2023 وعضو اتحاد الوطن العربي الدولي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى