جابر عثرات الكرام

بقلم : الدكتور أحمد أحمد عبده – كلية الدراسات الآسيوية العليا

كن كريمًا، جوادًا، سمحًا، سريعًا في العطاء، لا تتردد في الإحسان، فإن المال مال الله، وأنت مؤتمن عليه، وستُسأل عنه يوم تزول الأقدام. ونحن في أواخر أيام العمر المباركة، وفي آخر ليالي شهر رمضان الطاهرة، المنفوحة بنفحات الملك الجبار، الذي يجبر بخاطر عباده، فيغفر ويرحم ويعتق من النيران، مدَّ يدك للمحتاج، وأعطه عطاء من لا يخشى الفقر، لتجد خير ذلك حين تكون وحدك في مكان موحش، لا أنيس لك فيه إلا الله والعمل الصالح الطيب.

لحكمة لا يعلمها إلا الله، أغنى بعضنا وأفقر بعضنا، لكنه جل جلاله عدلٌ عادلٌ لا يظلم أحدًا مثقال ذرة، فقد جعل للفقير حقًا ونصيبًا في مال الغني، وفرض للسائل والمحروم حصةً في أموال الموسرين، كي تستقيم الحياة ويتحقق التوازن في الكون.

في زمن الخليفة سليمان بن عبد الملك، كان هناك رجلٌ صالحٌ يُدعى خزيمة بن بشر، أدرك أن السخاء والعطاء بابٌ واسعٌ من أبواب الخير، فطرقه وفتحه على مصراعيه، معطيًا بسخاء، لا يفرق بين الغني والفقير، موقنًا بأن الله سيخلفه خيرًا. لكن الأيام دارت، وتبدل حال خزيمة، حتى ضاقت به الدنيا، ولم يعد يجد ما ينفقه، فأغلق بابه، وظل يأكل هو وزوجته من القليل الذي بقي له.

سمع والي الجزيرة، ويدعى عكرمة الفياض، بخبر خزيمة، وكان مشهورًا بفيض كرمه وسخائه. تحركت فيه نخوة المروءة، فامتطى فرسه، وأخذ معه أربعة آلاف درهم – ما يعادل اليوم ثروة طائلة – وذهب إلى بيت خزيمة متلثمًا، وطرق بابه، فلما فتح، ناوله المال وانصرف. حاول خزيمة معرفة هوية الرجل، فأقسم عليه أن يخبره، فقال: “أنا جابر عثرات الكرام”، ثم رحل.

مرت الأيام، وتقلّبت الأحوال، حتى تم تعيين خزيمة واليًا على الجزيرة. وحين تولّى منصبه، أمر بجرد المال، فوجد فيه نقصًا، فأمر بسجن الوالي السابق وتقييده بالأغلال. لم يكن يعلم أن هذا الرجل هو عكرمة الفياض نفسه. وحين علمت زوجة عكرمة بذلك، ذهبت إلى خزيمة وقالت: “أتدري من سجنت؟ إنه جابر عثرات الكرام!”.

ما إن سمع خزيمة هذا الاسم حتى انطلق كالسهم، وأمر فورًا بفك قيوده، وطلب أن توضع الأغلال في قدميه بدلاً منه، لكن عكرمة الفياض رفض ذلك. ثم توجها إلى أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، فقصّا عليه قصتهما. وكان سليمان قد سمع عن موقفهما النبيل، فأُعجب بكرم عكرمة ونبله، وولّاه إمارة الجزيرة وأرمينيا وأذربيجان. ثم قال له : “أمرك في صاحبك خزيمة، إن شئت عزله، وإن شئت أبقيته”. لكن الكريم يحب من هو على شاكلته، فأبقاه خزيمة واليًا على الجزيرة.

هذه القصة، رغم تعدد رواياتها، تحمل في جوهرها درسًا خالدًا: أن الخير لا يضيع، وجبر الخواطر يقي صاحبه من المهالك، فطوبى لمن جبر كسيرًا، وأعان فقيرًا، وأحسن إلى محتاج، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وله الحمد في البدء والختام.

زر الذهاب إلى الأعلى