الدكتور ناصر الجندي يكتب : تحرير سيناء: ملحمة شعب لا ينسى

بقلم الدكتور ناصر الجندي

في زاوية منسية من الجغرافيا، حيث تمتد الصحراء برمالها الذهبية، وتحتضن الجبال أسرار القرون، كانت هناك قطعة من الوطن تُدعى سيناء، قد تحملت فوق ترابها أثقال الاحتلال وأوجاع الحرب. لكن سيناء لم تكن مجرد أرض، بل كانت رمزا، وقلعة، وقصيدة مقاومة كتبها المصريون بالدم والصبر والحلم.

ن 20 1

سيناء… لماذا كل هذا الحب؟
سيناء ليست فقط شبه جزيرة، بل قلب نابض من تاريخ مصر. أرضها رأت خطى الأنبياء، وسمعت مناجاة موسى على الجبل، واحتضنت قوافل التجارة والجنود والفاتحين. ولأنها بهذا العمق الروحي والاستراتيجي، كانت دائما مطمعًا لكل غازٍ، ودرعًا لكل مصري.
في عام 1967، اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي سيناء، فكان ذلك جرحًا في قلب الوطن. لم يكن الجرح في الأرض فقط، بل في الكرامة والهوية. لكن الشعب المصري لم يستسلم. كانت المعركة قد بدأت، ليس فقط بالسلاح، بل بالإرادة.

العبور… معجزة بحسابات البشر
في السادس من أكتوبر عام 1973، وعند الثانية ظهرًا، انطلقت شرارة ما بدا مستحيلاً. الجيش المصري، الذي أعاد بناء نفسه في صمت، فاجأ العالم بعبور قناة السويس، وتحطيم أسطورة “خط بارليف” الذي قيل إنه لا يُقهر. كان عبورًا نحو الكرامة، نحو استرداد النفس قبل الأرض.
لكن تحرير سيناء لم يُستكمل بالسلاح فقط، بل بالدبلوماسية والصبر الطويل. بعد معاهدات ومفاوضات، استُعيدت الأرض قطعة قطعة، حتى اكتمل التحرير في 25 أبريل 1982، ورفرف العلم المصري مجددًا على أرضها الطاهرة.

ن 22

تحرير الأرض… أم تحرير الوعي؟
هنا تكمن الروعة: أن تحرير سيناء لم يكن فقط استرداد تراب، بل درسًا عميقًا في معنى الإرادة. علّمنا أن لا شيء مستحيل، وأن القوة ليست في عدد الطائرات أو الدبابات، بل في قلوب الرجال الذين يحملون راية وطنهم ويؤمنون به.
واليوم، بعد مرور أكثر من أربعة عقود على التحرير، ما زالت سيناء بحاجة إلى تحرير جديد… ليس من احتلال، بل من الإهمال، ومن أفكار التطرف، ومن غياب التنمية. فالأرض التي تحررت بالسلاح، يجب أن تُبنى بالعلم، وتُزهر بالتعليم، وتُعمر بالحب.

سيناء… صفحة مفتوحة
تحرير سيناء لم يُكتب في فصل وانتهى. إنها قصة لا تزال تُروى، ومهمة لا تزال مستمرة. هي ليست مجرد ذكرى نحتفل بها، بل وعد نُجدد الإيمان به: أن الوطن حين يُجرح، نضمده بالوحدة، وحين يُغتصب، نسترده بالإصرار، وحين يُهمل، نُعيد إليه الحياة.
في كل حبة رمل من سيناء، هناك قصة شهيد، وذكرى مقاتل، وأمل طفل يريد أن يرى مدرسته وسط الصحراء مزروعة بالزيتون والنور.

تحرير سيناء… هو أن نؤمن دومًا أن هذا الوطن يستحق، وأننا قادرون، وأن لا حدود تقف أمام شعب يعرف كيف يحب أرضه.

زر الذهاب إلى الأعلى