أمانة صاحب التفاحة وصاحب العقد

بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله الذي خلّص قلوب عباده المتقين من ظلم الشهوات، وأخلص عقولهم عن ظلم الشبهات، أحمده حمد من رأى آيات قدرته الباهرة، وبراهين عظمته القاهرة، وأشكره شكر من اعترف بمجده وكماله، واغترف من بحر جوده وأفضاله وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر الأرضين والسماوات، شهادة تقود قائلها إلى الجنات وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، والمبعوث إلى كافة البريات، بالآيات المعجزات، والمنعوت بأشرف الخلال الزاكيات صلى الله عليه وعلى آله الأئمة الهداة، وأصحابه الفضلاء الثقات، وعلى أتباعهم بإحسان، وسلم كثيرا ثم أما بعد قيل أنه بينما كان الرجل يسير بجانب البستان وجد تفاحة ملقاة على الأرض، فتناول التفاحة وأكلها، ثم حدثته نفسه بأنه أتى على شيء ليس من حقه فأخذ يلوم نفسه وقرر أن يرى صاحب هذا البستان.

 

فإما أن يسامحه أو أن يدفع له ثمنها، وذهب الرجل لصاحب البستان وحدثه بالأمر فإندهش صاحب البستان لأمانة الرجل، وقال له ما اسمك؟ قال له ثابت، قال له لن أسامحك في هذه التفاحة إلا بشرط أن تتزوج ابنتي، واعلم أنها خرساء عمياء صماء مشلولة، إما أن تتزوجها، وإما لن أسامحك في هذه التفاحة، فوجد ثابت نفسه مضطرا يوازي بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فوجد نفسه يوافق على هذه الصفقة، وحين حانت اللحظة التقى ثابت بتلك العروس، وإذ بها آية في الجمال والعلم والتقى، فاستغرب كثيرا لماذا وصفها أبوها بأنها صماء مشلولة خرساء عمياء؟ فلما سألها قالت أنا عمياء عن رؤية الحرام، خرساء صماء عن قول وسماع ما يغضب الله، ومشلولة عن السير في طريق الحرام، وتزوّج ثابت هذا تلك المرأة. 

وكان ثمرة هذا الزواج الإمام أبا حنيفة النعمان بن ثابت، فنشأ أبو حنيفة رضي الله عنه وتربّى على الأمانة، فيوم أن جاءت امرأة إلى أبي حنيفة تبيع له قطعة من قماش فقال لها كم ثمنها؟ قالت مائة درهم، فقال كلا إنها تساوي أكثر من ذلك، فقالت المرأة أتهزأ بي، قال لا، فأحضر رجلا آخر يسعّرها فقال إنها تساوي خمسمائة درهم، عجبا المشتري هو من يزيد في ثمن السلعة؟ لماذا؟ إنها الأمانة، وكان لأبي حنيفة النعمان يرحمه الله شريك في التجارة، يقال له بشر، فخرج بشر في تجارته بمصر، فبعث إليه أبو حنيفة سبعين ثوبا من ثياب خزّ، فكتب إليه إن في الثياب ثوب خزّ معيبا بعلامة كذا، فإذا بعته فبيّن للمشتري العيب، قال فباع بشر الثياب كلها، ورجع إلى الكوفة، فقال أبو حنيفة هل بيّنت ذلك العيب الذي في الثوب الخزّ؟ 

فقال بشر نسيت ذلك العيب، فقال فتصدق أبو حنيفة بجميع ما أصابه من تلك التجارة، الأصل والفرع جميعا، قال وكان نصيبه من ذلك ألف درهم، وقال مال قد دخلت فيه الشبهة، فلا حاجة لي به، إنها الأمانة التي جعلت العالم ابن عقيل كذلك وهو طالب علم يفضّل الجوع ويصبر رغم أنه وجد كنزا ثمينا ضاع من صاحبه، فيقول عن نفسه حججت عاما فالتقطت عقد لؤلؤ في خيط أحمر، فإذا شيخ ينشده، ويبذل لمن وجده مائة دينار، فرددته عليه، فقال خذ الدنانير، فإمتنعت وخرجت إلى الشام، وزرت القدس، وقصدت بغداد، ثم وصلت إلى حلب وبتّ في مسجد وأنا بردان جائع، فقدموني، صليت بهم، فأطعموني، وكان أول رمضان، فقالوا إمامنا توفي فصلي بنا هذا الشهر، ففعلت، فقالوا لإمامنا بنت فزوجوني بها، فأقمت معها سنة، وولدت ولدا بكرا.

فمرضت في نفاسها، فتأملتها يوما فإذا في عنقها العقد بعينه بخيطه الأحمر، فقلت لها من أين لك هذا العقد؟ فقالت إن أباها كان له مال وفير وقد إشترى هذا العقد عندما ذهب إلى الحج وضاع هناك فوجده شاب وأبى أن يأخذ مكافأته من أبي، قال فحكيت لها، فبكت وقالت أنت هو والله، لقد كان أبي يبكي، ويقول اللهم ارزق ابنتي مثل الذي رد العقد عليّ وقد إستجاب الله منه، إنها الأمانة التي جعلت عبد الله بن المبارك العالم الجليل يعود من مرو في خراسان إلى الشام ليرد قلما إستعاره من صاحبه، ومكث في هذه الرحلة شهرا كاملا، ذلك أنه بأداء الأمانة يأمن الناس بعضهم بعضا، وتتيسر أمورهم في قضاء حوائجهم وإنجاز معاملاتهم، وتحفظ حقوقهم، وتصان الأموال والأعراض، وينتشر الخير ويدوم المعروف.

زر الذهاب إلى الأعلى