الإمارة والتجارة لا يجتمعان في أحد 

 بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين وحجة الله على الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ثم أما بعد هذا هو الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه روى عنه ابن سعد وابن المنذر كما قال ابن حجر رحمه الله أنه عندما ولي الخلافة وكان يشتغل بالتجارة قبل ذلك قال “لا والله ما يصلح أمر الناس التجارة، وما يصلح لهم إلا التفرغ، والنظر في شأنهم” 

فهو يؤسس مبدأ ومنهجا لمن ولي أمر المسلمين وهو أن الإمارة والتجارة لا يجتمعان في أحد، إلا أفسدت إحداهما الأخرى، ثم قال رضي الله عنه “وما بد لعيالي مما يصلحهم” فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه، ويصلح عياله يوما بيوم، ويحج ويعتمر، ثم بدأت المشاورات بينه وبين رعيته حول المرتب الذي يستحقه هو وعياله، ففرضوا له كل سنة ستة آلاف درهم، فانظروا إلي خليفة الْمسلمين، لا يتجاوز مرتبه ستة آلاف درهم في السنة كلها، فهل وصل الشرق والغرب، لمثل هذه الحضارة العظيمة، والسياسة العجيبة؟ فأنفق رضي الله عنه في مدة خلافته ثمانية آلاف درهم، فلما حضره الموت قال إذا أنا مت، فخذوا من مالي ثمانية آلاف درهم، وردوها في بيت المال، فلما مات رضي الله عنه، جاء الرسول إلى عمر بهذه الأموال. 

فبكى عمر وقال “رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده ” أي من جاء بعده في الخلافة، وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه بلغ من أمانته وحرصه على بيت مال المسلمين أنه وضع على بيت المال رجلا أمينا، يقال له معيقيب، فقد روى قتادة قال كان معيقيب على بيت مال عمر فكسح بيت المال يوما فوجد فيه درهما، فدفعه إلى ابن عمر، قال معيقيب ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسول عمر قد جاء يدعوني، فجئت فإذا الدرهم في يده فقال ” ويحك يا معيقيب أوجدت عليّ في نفسك سببا؟ أو مالي ومالك؟ فقلت وما ذاك؟ قال أردت أن تخاصمني أمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الدرهم يوم القيامة” وعن أسلم مولي عمر قال كنت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يعس المدينة إذ أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل. 

فإذا امرأة تقول لابنتها يا ابنتاه، قومي إلى ذلك اللبن، فامذقيه بالماء، فقالت يا أمتاه، وما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين؟ فقالت وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت لقد أمر مناديا فنادى ألا يشاب اللبن بالماء، فقالت لها يا ابنتاه، قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك في موضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها يا أمتاه والله ما كنت لأطيعه في الملأ واعصيه في الخلاء، وعمر يسمع كل ذلك، فقال يا أسلم، علم الباب، واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه، فلما أصبح قال يا أسلم، امض إلى الموضع، فانظر من القائلة، ومن المقول لها؟ وهل لهم من بعل؟ فأتيت الموضع، فنظرت، فإذا الجارية أيم لا بعل لها، وإذا تيك المرأة ليس لها بعل، فأتيت عمر وأخبرته، فدعا عمر ولده فجمعهم، فقال هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أو زوجة؟ 

فقال عبد الله لي زوجة، وقال عبد الرحمن لي زوجة، وقال عاصم يا أبتاه، لا زوجة لي، زوجني، فبعث إلى الجارية، فزوجها من عاصم، فولدت لعاصم بنتا، وولدت الابنة عمر بن العزيز، رحمة الله عليه وعليهم أجمعين.

زر الذهاب إلى الأعلى