الدكتور ناصر الجندي يكتب ” كرامات أهل الله حين تتدخل السماء في صمت “

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

بين قوانين الأرض وأسرار السماء ” هل حدث أن سمعت قصةً أوقفتك للحظات، وجعلتك تتساءل: كيف وقع هذا الأمر؟ وكيف جرى بهذه الصورة التي تبدو مستحيلة؟”
نحن نعيش في عالم تحكمه الأسباب؛ الشمس تشرق كل صباح، والماء يروي العطشان، والنار تحرق ما يلامسها. هكذا اعتدنا أن نفهم الحياة، وهكذا يسير الكون أمام أعيننا.
لكن… بين الحين والآخر، تقع أحداث لا تشبه ما نعرفه، ولحظات لا تنطبق عليها حسابات البشر المعتادة، فتشعر أن نافذة صغيرة قد فُتحت فجأة بين الأرض والسماء.

هناك تدرك أن هذا الكون أكبر مما نراه، وأعمق مما نتصور، وأن وراء الأسباب الظاهرة قدرةً لا تحدها القوانين ولا تقف أمامها الحواجز.

ومن هنا تبدأ حكاية كرامات أهل الله.
ليست حكاية سحرٍ أو أساطير، وليست قصصًا تُروى للتسلية أو الإدهاش، بل هي إشارات ربانية تذكّرنا بأن الله إذا أراد شيئًا قال له: كن… فيكون.

ما هي الكرامة؟
الكرامة ببساطة هي عطية من الله يمنحها لبعض عباده الصالحين. أمرٌ خارق للعادة.
حدثٌ يتجاوز المألوف. واقعةٌ لا يفسرها المنطق المعتاد.
لكنها لا تقع على يد نبي، بل على يد عبد صالح عرف طريقه إلى الله فأكرمه الله بشيءٍ من فضله. ولهذا سُمّيت “كرامة”. فهي ليست نتيجة قوة شخصية، ولا مهارة مكتسبة، ولا قدرة خاصة يمتلكها الإنسان من تلقاء نفسه، بل هي محض فضل من الله سبحانه وتعالى.
والجميل في الأمر أن الأولياء الحقيقيين غالبًا لا يسعون إليها، بل ربما خافوا منها أكثر مما فرحوا بها.
لأنهم يعلمون أن الغاية ليست الكرامة… بل صاحب الكرامة.

الكرامة ليست بطولة خارقة
للأسف، يظن بعض الناس أن الولي هو ذلك الرجل الذي يمشي فوق الماء أو يطير في الهواء أو يعرف أشياء غيبية. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فلو فتشنا في سير كبار الصالحين لوجدنا أن أعظم كراماتهم لم تكن خوارق حسية، بل كانت خوارق أخلاقية وإيمانية. أن يثبت الإنسان على الحق حين ينهار الآخرون. أن يصبر حين يجزع الجميع.
أن يعفو حين ينتقم الناس.
أن يظل متعلقًا بالله وسط الفتن والابتلاءات. هذه في ميزان الله قد تكون أعظم من ألف كرامة ظاهرة. لأن المشي على الماء قد يفعله إنسان مرة واحدة. أما المشي إلى الله كل يوم رغم مشاق الحياة، فهذه كرامة العمر كله.

7ec3aaed de2b 4411 a9a5 4d56a6500cce 1

أصحاب الكهف… حين توقف الزمن
إذا أردنا مثالًا قرآنيًا واضحًا للكرامة، فلن نجد أبلغ من قصة أصحاب الكهف. شباب آمنوا بالله في زمن كان الإيمان فيه جريمة. هربوا بدينهم. تركوا الدنيا خلفهم. اختبأوا في كهفٍ صغير ظنًا منهم أنه مجرد ملجأ مؤقت. لكن الله أراد أن يجعل منهم آية للعالمين.
فناموا سنوات طويلة… ثم تحولت السنوات إلى عقود… ثم تحولت العقود إلى قرون… ثم استيقظوا وكأنهم ناموا ليلة واحدة.
تخيل المشهد! العالم كله تغيّر. الأجيال تبدلت. الدول سقطت وقامت. أما هم فاستيقظوا كما تركوا أنفسهم. لم يكن ذلك استعراضًا خارقًا.
بل كان رسالة عظيمة:
إذا حفظتَ دين الله، حفظك الله بطريقة يعجز العقل عن تصورها.

الكرامات التي لا ننتبه إليها
الغريب أن كثيرًا من الناس يبحثون عن الكرامات البعيدة وينسون الكرامات التي يعيشونها كل يوم.
أليست الهداية كرامة؟
كم من إنسان يعيش حياته كلها بعيدًا عن الله، بينما فتح الله لك باب الإيمان.
أليست الطمأنينة كرامة؟
كم من غني يملك المال ولا يملك راحة القلب، بينما ينام الفقير قرير العين لأنه يعرف ربه.
أليست الاستقامة كرامة؟
في زمن كثرت فيه المغريات والفتن، أن يحفظ الله قلبك ولسانك وجوارحك نعمة عظيمة لا يقدر ثمنها.
وأليست التوبة كرامة؟
أن يفتح الله لك باب العودة إليه بعد الذنب، هذه وحدها كرامة لو أدرك الناس قيمتها لبكوا من الفرح.

الإمام أحمد… كرامة الثبات
حين نتحدث عن الكرامات، يقفز إلى الأذهان الحديث عن الأحداث الخارقة. لكن تعالوا نتأمل سيرة الإمام أحمد بن حنبل. ضُرب. وسُجن. وأُوذي. وتعرض لضغوط لا يتحملها أكثر البشر. ومع ذلك لم يتراجع عن الحق. أي قوة هذه؟
وأي كرامة أعظم من أن يحفظ الله قلب عبدٍ وسط عاصفة هائلة من الخوف والترهيب؟
إن الثبات حين ينهار الآخرون كرامة لا تقل عن شق البحر أو طي الأرض.
بل ربما كانت أعظم.

رابعة العدوية… كرامة الحب
ومن أجمل صور الكرامات تلك التي لا تُرى بالعين. حين قالت رابعة العدوية إنها تحب الله لذاته لا لنعيم الجنة ولا خوفًا من النار، كانت تتحدث من مقام إيماني لا يصل إليه إلا القليل.
لقد تحولت العبادة عندها من طلب العطاء إلى حب المعطي. ومن انتظار النعمة إلى التعلق بصاحب النعمة.
وهذه كرامة قلبية لا تُشترى ولا تُكتسب بالدراسة، وإنما يمنحها الله لمن صدق معه.

كيف نعرف الولي الحقيقي؟
هنا يجب أن نتوقف قليلًا. فليس كل من ادعى الكرامة صادقًا. وليس كل قصة تُروى صحيحة. الميزان الذي وضعه العلماء واضح جدًا:
الولي الحقيقي هو من كان أقرب الناس إلى القرآن والسنة. كلما زادت استقامته زادت ولايته. أما من يخالف أوامر الله ثم يزعم أنه صاحب كرامات، فكراماته المزعومة لا قيمة لها. فالطريق إلى الله لا يمكن أن يكون خارج شريعة الله. ولهذا قال أهل العلم:
أعظم كرامة هي الاستقامة.
جملة قصيرة… لكنها تختصر القضية كلها.

الكرامة الكبرى التي يغفل عنها الناس
هناك كرامة يعيشها المؤمن كل يوم ولا ينتبه إليها. وهي التي أشار إليها النبي ﷺ حين قال: “عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير…”
تأمل هذا المعنى المذهل. إذا فرح شكر فكان خيرًا له. وإذا ابتُلي صبر فكان خيرًا له. أي أنه رابح في الحالتين. أليست هذه معجزة حياتية حقيقية؟ العالم كله يهرب من الألم.
أما المؤمن فيحوّل الألم إلى حسنات. العالم كله يطارد السعادة. أما المؤمن فيجد السعادة حتى داخل الابتلاء. هذه ليست مجرد كرامة… بل مدرسة كاملة من الرحمة الإلهية.

حين تبتسم السماء لعبد من عباد الله
الكرامة في حقيقتها ليست أن تمشي فوق الماء. بل أن تمشي إلى الله فلا تتعثر.
ليست أن تعرف الغيب. بل أن تعرف ربك.
ليست أن يصفق لك الناس. بل أن يرضى عنك الله.
ولهذا فإن أعظم أولياء الله ربما عاشوا بيننا دون أن نعرفهم. رجل بسيط يصلي الفجر كل يوم. امرأة صابرة تخفي دموعها وتبتسم لأبنائها. شيخ كبير يذكر الله في صمت. شاب يقاوم الفتن وحده.
هؤلاء قد يكونون عند الله أعظم شأنًا من أصحاب القصص المدهشة التي يتناقلها الناس.

الكرامة التي تستحق أن تطلبها
في النهاية… لا تجعل همك أن ترى الكرامات. اجعل همك أن تكون أهلًا لها. لا تنشغل بالخارق الذي يقع خارجك، وانشغل بالنور الذي يولد داخلك.
فربما لم تمشِ يومًا فوق الماء. وربما لم تُطوَ لك الأرض. وربما لم ترَ شيئًا مما يتحدث عنه الناس.
لكن إذا وجدت قلبك يزداد قربًا من الله كل يوم… ووجدت نفسك تثبت عند الفتن… وتطمئن عند المصائب… وتحب الخير للناس…
فاعلم أن الله قد أكرمك بأعظم كرامة.
كرامة أن تكون قريبًا منه.
وهذه والله كرامة لو عرف الملوك حقيقتها، لتركوا عروشهم وسعوا إليها.

زر الذهاب إلى الأعلى