
المرتبة الثانية بعد مرتبة النبوة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الأربعاء الموافق 9 أكتوبر 2024
إن الحمد لله الخافض الرافع نحمده أن أنزل القرآن على الناس يتلى وأذهب به عن الأرواح المواجع، يا ربنا لك الحمد على كل حال وواقع، اللهم إنا نشهدك على أنفسنا بأننا نشهد بأنك أنت الله رب كل شيء ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، محمد عبدك ورسولك، اللهم صل وسلم وبارك عليه واجعل له صلاتنا وديعة يا من لا تضيع عنده الودائع، وبعد عباد الله اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ثم أما بعد إن الصدق دليل الإيمان ولباسه، ولبّه وروحه كما أن الكذب بريد الكفر ونبته وروحه، والسعادة دائرة مع الصدق والتصديق، والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب، والصدق من الأخلاق التي أجمعت الأمم على مر العصور والأزمان، وفي كل مكان، وفي كل الأديان، على الإشادة به، وعلى إعتباره فضله، وهو خلق من أخلاق الإسلام الرفيعة.
وصفة من صفات عباد الله المتقين ولذلك فقد وصف الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه جاء بالصدق، وأن أبا بكر رضي الله عنه وغيره من المسلمين هم الصادقون، كما أن التحلي بالصدق كان من أوّليات دعوته صلى الله عليه وسلم، كما جاء مصرحا بذلك في قصة أبي سفيان مع هرقل، وفيها أن هرقل قال لأبي سفيان فماذا يأمركم؟ ويعني النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سفيان يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق، والعفاف، والصلة” رواه البخاري ومسلم، كما أن الصدق سمة من سمات الأنبياء والمرسلين، وجميع عباد الله الصالحين، وقد أنزل الله في شأن الصادقين معه آيات تتلى إلى أن يرث الله تعالي الأرض ومن عليها، فقد ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عمه أنس بن النضر.
لم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على قلبه، وقال أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، أما والله، لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرينّ الله ما أصنع قال فشهد أحدا في العام القابل، فإستقبله سعد بن معاذ، فقال يا أبا عمر، إلى أين؟ فقال واها لريح الجنة إني أجد ريحها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة، فقالت أخته الربيع بنت النضر ما عرفت أخي إلا ببنانه، فنزلت هذه الآية ” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ” ويكفي الصدق شرفا وفضلا أن مرتبة الصديقية تأتي في المرتبة الثانية بعد مرتبة النبوة حيث قال الله تعالى ” ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا”
وإن رسالة التدريس تحتاج إلى أن يكون الذي يختارها على قدر من الذكاء والحلم وسرعة البديهة والقدرة على تحمل المشاق والمثابرة التي تتطلبها، وأن يكون إختياره لها عن رغبة وإيمان بأنها من أنبل وأشرف المهن، وأن يكون عنده إعتقاد وإيمان بأنه مثاب عليها من الله سبحانه وتعالى وأن أي مكافأة يأخذها مهما بلغت قيمتها لا تعادل لا من قريب ولا من بعيد ما يقدمه من عطاء وما يكابده من متاعب إذا أخلص في عمله، وإن مهمة التدريس تحتاج إلى الضمير الحي والإنسان الذي عنده روح التضحية والبذل والعطاء دون توقف أو فتور، وإلا فقد يقل أداء المدرس عما يجب حتى يصبح تعليمه مع الوقت مهنة كسائر المهن الأخرى، وقد يكون من طبيعة بعض المدرسين القوة والشدة والغلظة التي تستعمل في غير محلها.
وهذا ما ينتج عنه كره التلاميذ لمن تكون تلك صفاته، فيا أيها المعلم لا تكن فظا غليظ القلب فينصرف التلاميذ عنك وعن دروسك فيصبحون حاضرين عندك بأجسادهم غائبين بعقولهم وقلوبهم، وصدق الله العظيم حين يقول ” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم” وعند إرجاع أوراق الفرض أو الإختبار للتلاميذ يحرص المعلم على أن يكون عادلا ما استطاع فلا يظلم تلميذا ولو في نصف نقطة، ولينتبه إلى أن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرما.