
الدكتور ناصر الجندي يروى لنا “أسطورة الهند: عرش الطاووس الأسود”
حين ظنت الحاكمة أن الولاء أقوى من الحقيقة، وأن الصمت قادر على إخفاء ما تراه العيون
أسطورة الهند: عرش الطاووس الأسود “حين ظنت الحاكمة أن الولاء أقوى من الحقيقة، وأن الصمت قادر على إخفاء ما تراه العيون”
بقلم الدكتور ناصر الجندي
في زمنٍ سحيق، حين كانت أنهار الهند العظيمة تشق طريقها بين الغابات المقدسة والقصور المرصعة بالأحجار الكريمة، قامت مملكة تُدعى «سورافانا»، اشتهرت بحدائقها الواسعة وأسواقها العامرة، وكان يتوسط قصرها عرش من الذهب تتلألأ فوقه ريشة طاووس سوداء، قيل إنها لا تسودّ إلا حين يختل ميزان العدل في المملكة.
حكمت المملكة امرأة تُدعى «ماهيرا»، امتلكت ذكاءً حادًا ولسانًا عذبًا، وكانت تعرف كيف تكسب القلوب بالكلمات، لكنها كانت تخشى شيئًا واحدًا أكثر من خوفها من أعدائها: أن يظهر في مملكتها شخص يمتلك من الحكمة والشجاعة ما يجعله قادرًا على كشف أخطائها.
في السنوات الأولى من حكمها، استعانت بالمستشارين أصحاب الخبرة، واستقبلت أصحاب الرأي المستقل، حتى استقرت لها الأمور، لكن بريق السلطة بدأ يغيّر قلبها شيئًا فشيئًا، وصارت ترى في كل عقلٍ لامع تهديدًا لهيبتها، وفي كل نصيحة صادقة محاولةً لانتزاع مكانها، حتى أحاطت نفسها بأشخاص لا يتقنون سوى ترديد كلماتها، ويعرفون متى يصفقون، ومتى يصمتون، ومتى يلقون باللوم على غائب لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
لم ينتبه أحد في البداية إلى أن المملكة بدأت تفقد شيئًا لا يُشترى بالذهب؛ فقد تراجعت هيبة القصر في أعين الناس، وازدادت الأخطاء في تدبير شؤون البلاد، وصار أصحاب المهارة ينسحبون في صمت، بينما يتقدم المتملقون بثقةٍ لا يملكها إلا من يعتقد أن قربه من الحاكم يغنيه عن الكفاءة.
ومع ذلك، ظلت ماهيرا مقتنعة بأنها تحكم مملكة قوية، لأن من حولها كانوا يخفون عنها كل خبرٍ سيئ، ويحولون كل فشل إلى نجاح في التقارير، وكل تحذير إلى مؤامرة، وكل صوتٍ مستقل إلى خطر يجب إسكاته.
لكن ريشة الطاووس فوق العرش بدأت تسودّ.
السر الذي خرج من نهر الغانج
في أقصى المملكة، بعيدًا عن ضجيج القصر، كان يعيش حكيم مسن يُدعى «أرافين»، عُرف بين الناس بأنه لا يبيع الحقيقة طلبًا للرضا، ولا يغيّر رأيه خوفًا من غضب أصحاب النفوذ. وحين وصله خبر ما يجري في سورافانا، لم يذهب إلى القصر ليطلب منصبًا، ولم يجمع حوله أنصارًا، بل أرسل إلى ماهيرا رسالة قصيرة كتب فيها: «يا صاحبة التاج، إن أخطر ما قد يحدث للحاكم ليس أن يعارضه الناس، بل أن يصبح الجميع من حوله عاجزين عن إخباره بأنه مخطئ».
قرأت ماهيرا الرسالة، فاحمرّ وجهها، وألقت بها إلى فارون، الذي ابتسم ابتسامة خبيثة وقال إن الحكيم يريد أن يختبر قوة العرش، وإن تركه يتحدث سيشجع الآخرين على التمرد. فأصدرت الحاكمة أمرًا بإبعاده عن العاصمة، ومُنع الناس من زيارته، وظنت أن إخفاء الرجل سيُخفي معه الحقيقة.
غير أن ما لم تحسب له حسابًا هو أن الحكيم كان قد احتفظ بنسخ من سجلات المملكة القديمة، سجلات تكشف كيف كانت الثروات تُوزّع، وكيف مُنحت الامتيازات لمن لا يستحقونها، وكيف أُقصي رجال نزيهون لمجرد أنهم رفضوا التوقيع على قرارات تخالف العدل. ولم تكن تلك السجلات اتهامات تُروى في المجالس، بل وثائق تحمل الأختام والتواريخ، وتكشف التناقض بين ما يُعلن داخل القصر وما يحدث خارجه.

وفي ليلة اكتمال القمر، أقامت ماهيرا احتفالًا عظيمًا لتعلن أن المملكة بلغت ذروة مجدها، وأمرت بإضاءة المشاعل على امتداد الطريق المؤدي إلى القصر، ودعت كبار الوجهاء، بينما وقف فارون إلى جوار العرش يعدد إنجازاتها، ويؤكد أن المملكة لم تعرف في تاريخها حاكمة أعظم منها.
وفجأة، انطفأت المشاعل واحدةً بعد أخرى، وهبّت ريح باردة حملت معها أوراقًا متناثرة سقطت أمام العرش، ثم دخل رسول يحمل ختم الإمبراطور الأعلى، سيد الممالك السبع، الذي وصلته شكاوى متعددة وطلب مراجعة مستقلة لأحوال سورافانا.
فتح الرسول الأمر الملكي، وقرأ بصوت ثابت قرارًا بتجميد التعيينات المشكوك في سلامتها، وفحص السجلات المالية والإدارية، واستدعاء كل من أُبعدوا دون أسباب عادلة، وإعادة النظر في القرارات التي اتخذت بالمحاباة، مع محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق الأدلة.
حاولت ماهيرا الاعتراض، وأشارت إلى فارون كي يتحدث، لكنه الذي اعتاد أن يرفع صوته حين تكون الحاكمة قوية، تراجع هذه المرة، وأخذ يتلعثم، ثم ألقى بالمسؤولية كلها على من سبقوه، متوهمًا أن النجاة ممكنة إذا ضحّى بمن كان بالأمس أقرب الناس إليه.
عندها أدركت ماهيرا أن الذين أحاطت بهم لم يكونوا حراسًا لعرشها، بل حراسًا لمصالحهم، وأن التصفيق الذي ملأ قصرها لم يكن دليلًا على قوتها، وإنما ستارًا أخفى عنها انهيار الثقة من حولها.
ومع بدء التحقيق، ظهرت الحقائق واحدةً بعد أخرى، فعاد بعض أصحاب الخبرة إلى مواقعهم بعد مراجعة قرارات إبعادهم، وسقطت امتيازات لم يكن لها سند، وأُحيلت المخالفات المثبتة إلى الجهات المختصة، ولم يعد القرب من العرش ضمانًا للنجاة، ولا البعد عنه دليلًا على الخطأ.
أما ماهيرا، فقد انتهى حكمها بعد أن ثبتت مسؤوليتها عن تجاوزات جسيمة، وصدر بحقها حكم بالعقوبة التي استحقتها وفق القانون، بينما واجه فارون المساءلة عن دوره فيما كشفت عنه التحقيقات.
وفي صباح اليوم الذي أُزيل فيه الطاووس الأسود من فوق العرش، اجتمع أهل سورافانا في الساحة الكبرى، فرأوا الريشة وقد استعادت بريقها تحت ضوء الشمس، لكن الحكيم أرافين، الذي عاد إلى المملكة، وقف بينهم وقال:
«لا تفرحوا بزوال حاكمة ظالمة فحسب، بل احذروا أن تعود الظلمَة في ثوبٍ جديد؛ فالممالك لا يحميها جمال القصور، ولا كثرة الحاشية، ولا براعة المتملقين، وإنما يحميها ميزان لا يميل، وحق لا يُشترى، وكفاءة لا تُقصى، وسلطة تعرف أن المنصب أمانة، وأن من يخشى الحقيقة لا يستحق أن يحكم».
ومنذ ذلك اليوم، تناقلت الأجيال أسطورة الطاووس الأسود، وتعلموا أن العرش قد يبقى من ذهب، وأن القصر قد يظل مضاءً بالمشاعل، لكن المملكة تبدأ في السقوط منذ اللحظة التي يصبح فيها رضا الحاكم أهم من مصلحة الناس، ويصبح الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للحق.
فالعبرة التي تركتها سورافانا للأجيال كانت واضحة: قد ينجح المتملق في الوصول إلى القمة، وقد ينجح الظلم في إسكات أصحاب الحق لبعض الوقت، لكن لا عرش يستطيع أن يحوّل الباطل إلى حقيقة إلى الأبد.