
حين يخافون من صمتك
عبدالله معروف
في كثير من الأحيان يصفك الآخرون بأنك “صعب التعامل”. قد يبدو هذا الوصف في البداية اتهامًا أو صفة منفرة، لكنه في الحقيقة اعتراف غير مباشر بقوة شخصيتك وصلابتها. إنهم لا يقولون إنك صعب بقدر ما يعترفون، من حيث لا يشعرون، بأنك لست شخصًا يسهل خداعه أو السيطرة عليه. فأن تكون عصيًا على الترويض هو أمر يثير في نفوسهم القلق أكثر مما يثير فيك الشك.
ما يظنه البعض تعقيدًا في شخصيتك هو في الغالب انعكاس لاستقلاليتك ووضوحك. أنت لا تميل إلى المسايرة لمجرد إرضاء الآخرين، ولا تسمح بأن تُقاد إلى ما لا يتفق مع قناعتك. وهذا وحده كافٍ ليجعلهم يرونك مختلفًا. فالناس عادة يطمئنون إلى من يسهل التحكم به، ويشعرون بالارتباك أمام من يتمسك بمبادئه ويملك شجاعة قول “لا” حين يكون قولها ضروريًا.
> “أن تكون صعب التعامل لا يعني أنك المشكلة، بل أنك ترفض أن تكون بلا ملامح.”
غالبًا ما يحاول البعض أن يقنعك بأنك أنت السبب في تعقيد المواقف، وبأن الآخرين يتجنبونك بسببك أنت، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا. الصعوبة لا تكمن فيك، بل في عجزهم عن التعامل بصدق وشفافية. إنهم يريدونك مرنًا بالقدر الذي يريحهم، وصامتًا حين لا يعجبهم صوتك، ومطيعًا بقدر ما يخدم مصالحهم. وحين لا يجدون ذلك فيك، يلجؤون إلى أسهل الحلول: يلقون اللوم عليك.
ومع ذلك، فإنك حين تختار أن تبقى صادقًا مع نفسك، تضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يحترموك لثباتك، أو أن يخشوك لرفضك التنازل. وفي الحالتين، تظل أنت في موقع قوة، لأنك لم تتخل عن ذاتك ولم تسمح لهم أن يحددوا قيمتك.
> “أن تكون صعب التعامل يعني أنك لست سهل الكسر.”
القوة التي تحملها في داخلك ليست في شدتك على الآخرين، بل في وضوحك مع نفسك. فأنت تدرك أن قيمتك لا تُقاس بمدى قبول الجميع لك، وإنما بقدرتك على الوقوف بثبات أمام محاولات التقليل أو السيطرة. ومهما حاولوا أن يوهموك بأنك المشكلة، فإن الحقيقة أن مشكلتهم أنهم لم يستطيعوا جعلك تابعًا كما اعتادوا مع غيرك.
إن كونك صعب التعامل في نظر البعض لا يعني أنك شخص معقد، بل يعني أنك مختلف، أنك حر، أنك لا تسمح لأحد أن يضع لك قناعًا لا يشبهك. وهذا بالضبط ما يجعلهم يخشونك، وما يجعلك أنت أكثر ثباتًا. إنها ليست صفة سلبية كما يحاولون أن يصوروها، بل وسام يثبت أنك صاحب إرادة حرة، وقلب صادق، وروح تعرف قيمتها جيدًا.
في نهاية الأمر، أن تكون “صعب التعامل” ليس عيبًا، بل شهادة على أنك صادق مع نفسك، وفيّ لقيمك، ثابت في مواقفك. قد يخشاك البعض، وقد يسيء فهمك آخرون، لكن الحقيقة أنك اخترت أصعب طريق وأشرفه: أن تعيش كما أنت، بلا زيف، بلا خضوع، وبلا أقنعة. وهذه أجمل قوة يمكن للإنسان أن يحملها في حياته.