الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب هنا يُصنع الأبطال: حكاية الثانوية العامة كما لم تسمعها من قبل!
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
ليست هذه مجرد سنة دراسية. ليست مجرد كتب ومراجعات، أو أوراق امتحان ودرجات. ليست حرب أعصاب أو سباقًا مجنونًا نحو المجموع الأعلى. إنها أكثر من ذلك بكثير… إنها رحلة، فيها من التحدي بقدر ما فيها من الأمل. فيها من الخوف، لكن أيضًا من الشجاعة. إنها السنة التي يُولد فيها شيء جديد داخل الطالب… شيء يشبه البطولة!
المشهد الأول: غرفة الطالب
تخيل هذا المشهد:
غرفة صغيرة، مكتب متهالك، كومة من الكتب، كوب قهوة بارد، وساعة على الحائط تشير إلى الثالثة فجرًا. الكل نائم… إلا هو. يجاهد عينيه، يحاول أن يفهم قاعدة رياضية، يراجع فقرة أدبية، يخطط ليومه التالي.
لكن ما لا يراه أحد هو ما يدور داخله: قلبه ينبض بالتوتر، رأسه مثقل بالأحلام، وصوته الداخلي يتردد بين “أنا مش هقدر” و”أنا لازم أعدي بأي شكل”.
هذا المشهد تراه آلاف البيوت، كل ليلة. لكنه ليس مشهدًا عابرًا، بل بداية حكاية بطل في طور التكوين.
الثانوية العامة: هل هي لعنة أم نعمة؟
كثيرون يصفون الثانوية العامة باللعنة، بالسجن، بالكابوس الممتد. الإعلام يهوّل، الأهل يقلقون، والمدارس تمارس الضغط النفسي أحيانًا أكثر من التعليم نفسه. لكن لو نظرنا بعمق، سنجد شيئًا مختلفًا. سنجد أنها لحظة فاصلة… لحظة مواجهة بين الإنسان ونفسه. في هذه السنة، تتعلم كيف تضع هدفًا. كيف تقاوم المغريات. كيف تنهض بعد الإخفاق. كيف تتحمل مسؤولية مستقبلك. وهذا، باختصار، ليس تعليمًا فقط، بل “تكوين”.
البطل لا ينتظر التصفيق
أبطال الثانوية ليسوا فقط من يظهرون في الجرائد بنتيجة ١٠٠٪، أو يعلقون لوحات التهنئة في الشوارع. البطل الحقيقي هو من اختار ألا يستسلم رغم الظروف. هو من وُلد في قرية نائية بلا دروس خصوصية، ومع ذلك لم يتخلَّ عن حلمه. هي الطالبة التي كانت تعود من العمل في المساء، وتفتح كتابها رغم الإجهاد. هو من رسب العام الماضي، فقرر أن ينهض من جديد ويُثبت لنفسه أنه أقوى. هؤلاء هم من تُصنع منهم البطولات… لا بالأرقام، بل بالإرادة.
الامتحانات مجرد “باب”
هل سمعت من قبل من يقول: “الثانوية تحدد مصيرك”؟ خطأ. الثانوية لا تحدد مصيرك، لكنها تفتح لك أبوابًا. بعضها يوصلك بسرعة، وبعضها يلتف بك قليلاً، لكنه يوصلك أيضًا. من ظن أن مستقبله انتهى بسبب نتيجة، لم يفهم بعد أن الحياة مليئة بالفرص، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بورقة. كم من طالب دخل كلية لم يكن يتمناها، فاكتشف فيها شغفه! وكم من شخص لم يحقق المجموع المطلوب، لكنه صنع لنفسه مسارًا أذهل الجميع! المفتاح هو أن تؤمن بنفسك، لا بورقة النتيجة فقط.
وراء كل طالب قصة عظيمة
كل طالب في الثانوية يحمل على كتفيه قصة تستحق أن تُروى: قصة عائلة تتحمّل، أم تُخفي دموعها، أب يعمل فوق طاقته، إخوة يصمتون ليوفّروا جوًا هادئًا، معلم يتابع في صمت، وأصدقاء يتبادلون الأمل في رسائل منتصف الليل. هذه التفاصيل البسيطة التي لا يلتفت لها أحد، هي في الحقيقة “نواة البطولة”. الطالب ليس وحده في هذه الرحلة، بل خلفه كتف ممتد من الحب، ولو كان صامتًا.
إلى طالب الثانوية: هذه رسالتنا إليك
أنت لست رقمًا في كشف الدرجات. أنت فكرة تمشي على الأرض، مشروع إنسان عظيم في طور التكوين. فلا تسمح للخوف أن يُطفئك، ولا للضغط أن يُربكك. أعطِ هذه السنة ما تستحق، لكن لا تعتقد أنها نهاية العالم. بل بدايته. اعلم أن الأبطال لا يُصنعون فقط في ساحات القتال، ولا على خشبات المسرح أو في الملاعب، بل يُصنعون في صمت الغرف، في سهر الليالي، في البكاء الخافت، وفي المراجعة الأخيرة التي لا يراها أحد.
وفي الختام…
عندما ينتهي كل هذا، ستنظر خلفك وتبتسم. ستقول: “لقد فعلت ذلك. أنا من مشيت الطريق للنهاية.” ربما لن يكون المجموع كما تمنيت، وربما يكون أفضل مما حلمت. لكن الأكيد… أنك خرجت من هذه التجربة “أقوى”، “أنضج”، “أقرب لنفسك”، و”أقرب لحلمك”. هنا، في هذه السنة الاستثنائية… يُصنع الأبطال. فكن منهم.