الدكتور ناصر الجندى يكتب عن القيادة التعليمية حينما تنحرف عن مسارها: استعراض السلطة كعرض لاضطراب نفسي

بقلم الخبير التربوى الدكتور ناصر الجندي

  القيادة في المؤسسات التعليمية ليست مجرد منصب تُشغل أو صلاحيات تُمارس، بل هي فن التأثير الإيجابي في الآخرين لتحقيق الأهداف المشتركة. وعادة ما يكون قائد المؤسسة التعليمية شخصًا يتحلى بالكفاءة والإدارة الحكيمة التي تساهم في تحسين بيئة العمل وتعزيز الأداء التربوي. ولكن عندما يظهر أحد القادة، لا سيما القيادة الثانية، سلوكيات مثل استعراض السلطة واختلاق المشكلات، فإن هذا يثير تساؤلات عميقة حول خلفية هذه السلوكيات. هل هي مجرد سلوكيات إدارية سيئة، أم أن وراءها مشكلات نفسية أعمق؟

   يستهدف هذا المقال دراسة سلوكيات القيادة الثانية، مثل خلق الصراعات غير الضرورية وإظهار القوة بشكل مفرط، من منظور نفسي. وسوف نتطرق إلى كيفية ارتباط هذه السلوكيات باضطرابات شخصية مثل النرجسية، واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، واضطراب الشخصية الحدّية، بالإضافة إلى تأثيراتها السلبية على بيئة العمل. كما سنناقش كيف أن هذه السلوكيات لا تتغير بتغير البيئة أو الإدارة، ما يشير إلى وجود خلل نفسي مستمر يسببه الشخص ذاته.

السلوكيات السلبية للقيادة الثانية كأعراض لاضطرابات نفسية
1. حب الظهور واستعراض السلطة
   من أبرز السلوكيات التي قد تميز القيادة الثانية استعراض السلطة في المواقف المختلفة دون أساس موضوعي. هؤلاء القادة يحرصون على الظهور كأشخاص يمتلكون سلطة كبيرة، حتى وإن كانت هذه السلطة غير مبررة بواقع المهام أو الواجبات المناطة بهم. يرتبط هذا السلوك باضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder)، حيث يسعى الشخص إلى جذب الانتباه والإعجاب من خلال تعزيز صورته الذاتية على حساب الآخرين (Kernberg, 1998).
وفقًا لـ Kernberg (1998)، فإن الشخصية النرجسية تتسم بـ”احتياج مفرط للإعجاب، وإحساس مبالغ فيه بأهمية الذات”. وعندما يكون هذا الشخص في منصب قيادي، قد يتسبب هذا في إحداث مشكلات في بيئة العمل، حيث يسعى للسيطرة على الأضواء وإلغاء أي مسعى جماعي نحو النجاح. وبالتالي، فإن هذا النوع من السلوك يعكس ضعفًا داخليًا في الشخصية لا يستطيع الشخص التغلب عليه سوى من خلال فرض نفسه على الآخرين، بغض النظر عن فاعلية ذلك.
2. اختلاق المشكلات والصراعات
   يعد خلق الصراعات وإثارة المشاكل غير الضرورية من السمات الشائعة بين بعض القادة، وهو سلوك يعكس حالة نفسية تسعى لإثبات الذات عبر التوتر المستمر. هذا النوع من السلوك يمكن ربطه باضطراب الشخصية الحدّية (Borderline Personality Disorder)، الذي يتسم بالصعوبة في التحكم بالعواطف، والميل إلى خلق أزمات يشعر الفرد من خلالها بالتحكم والقدرة على التأثير (Linehan, 1993).
عادةً ما يكون هؤلاء القادة غير قادرين على إدارة مشاعرهم بطريقة صحية، مما يجعلهم يخلقون بيئات مليئة بالتوتر والنزاع. عندما لا تكون هناك مشكلات حقيقية، يتعمدون خلق صراعات مع الزملاء أو الأفراد في الإدارة كوسيلة لشغل الفراغ العاطفي الذي يعانون منه. هذا يعكس اضطرابًا في كيفية تعاملهم مع مشاعرهم الشخصية، ويتجسد في تأجيج الأوضاع التي يمكن أن تقوض الأداء المؤسسي.
3. الرغبة في السيطرة على الآخرين
   يظهر بعض القادة ميلاً كبيرًا للتحكم في كل شيء من حولهم، بدءًا من التفاصيل الصغيرة إلى القرارات الكبيرة، متجاهلين مبدأ العمل الجماعي. سلوك الاستبداد هذا غالبًا ما يرتبط باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder)، حيث يسعى الشخص إلى السيطرة على البيئة من خلال اتباع أساليب قهرية ولا مبالية بمشاعر الآخرين أو العواقب.
 الأفراد الذين يعانون من هذا الاضطراب لا يتوانون عن اتخاذ قرارات مدمرة للمؤسسة، طالما أن ذلك يحقق لهم شعورًا بالقوة والسيطرة. كما أنهم يفتقرون إلى الشعور بالندم أو التأنيب بعد اتخاذ قراراتهم، وهو ما يعكس فقدانهم للقدرة على التفاعل مع مشاعر الآخرين بشكل صحيح.

استمرارية السلوكيات كعلامة على خلل نفسي
  من أهم النقاط التي يجب التطرق إليها هي حقيقة أن هذه السلوكيات السلبية لا تتغير بتغير المكان أو الإدارة. فغالبًا ما نلاحظ أن القادة الذين يتسمون بهذه التصرفات يظلون على حالهم حتى في بيئات جديدة أو تحت إدارات مختلفة. إذا كانت السلوكيات تتكرر في أماكن متباينة، فهذا قد يشير إلى أن هناك خللاً نفسيًا مستمرًا يتعلق بالشخص نفسه، وليس بالبيئة أو الفريق الذي يعمل فيه.
يتضح هذا من خلال حقيقة أن هذه الشخصيات لا تملك القدرة على التكيف مع بيئات جديدة أو مراجعة سلوكياتهم، بل يظلون متمسكين بأساليبهم القديمة في التعامل مع التحديات والصراعات. من خلال منظور نفسي، يمكن تفسير ذلك بأن الشخص يعاني من اضطراب نفسي مزمن يتجلى في سلوكياته الشخصية بغض النظر عن المكان أو الزمان.

تعليم

تأثير هذه السلوكيات على بيئة العمل
1. تدمير الروح المعنوية للفريق
إن قيادة تعتمد على استعراض السلطة واختلاق الصراعات تخلق بيئة مليئة بالتوتر والتنافس غير الصحي. ما يؤثر بشكل كبير على الروح المعنوية للفريق، حيث يشعر الأفراد بالإحباط وفقدان الحافز للعمل. يؤدي ذلك إلى تراجع الإنتاجية والتعاون بين أفراد الفريق، ما يضر بنجاح المؤسسة.
2. خلق بيئة عمل غير صحية
عندما تكون القيادة مليئة بالتوتر والمشاكل المصطنعة، فإن بيئة العمل تصبح غير صحية. الأفراد لا يستطيعون التركيز على أداء مهامهم بشكل فعال، لأنهم ينشغلون بالمشاكل المتواصلة والقرارات العشوائية التي يتخذها القائد.
3. تعطيل الأداء المؤسسي
يؤدي استمرار هذه السلوكيات إلى تعطيل العمل المؤسسي، حيث يصبح تركيز القائد على تعزيز سلطته الشخصية أو إثارة المشاكل بدلاً من تحسين أداء المؤسسة.

كيفية معالجة هذه الظاهرة
1. التقييم النفسي قبل التعيين
من الضروري أن يتم إجراء تقييمات نفسية للقادة المحتملين في المؤسسات التعليمية. يشمل هذا التقييم فحص الشخصية والتأكد من ملاءمتهم للمنصب القيادي، لتجنب تعيين أفراد قد يكون لديهم مشاكل نفسية تؤثر على أدائهم.
2. تعزيز ثقافة الصحة النفسية في المؤسسات
يجب أن تُعزز المؤسسات التعليمية من ثقافة الصحة النفسية، وذلك من خلال توفير برامج دعم نفسي للقادة والعاملين على حد سواء. هذا يمكن أن يساعد في التعامل مع الضغوط النفسية وتقليل السلوكيات السلبية في مكان العمل.
3. تقديم برامج تدريبية على القيادة الإيجابية
ينبغي تنظيم دورات تدريبية لتعليم القيادة الإيجابية وتطوير مهارات الذكاء العاطفي لدى القادة. هذا يشمل مهارات التواصل، إدارة النزاعات، وتطوير قدرات الفريق، مما يساهم في تقليل التصرفات النرجسية أو الاستبدادية.
4. تفعيل أنظمة الرقابة والمساءلة
من خلال توفير نظم واضحة للمساءلة والرقابة، يمكن تقليل حدوث هذه السلوكيات، حيث يصبح القائد أكثر عرضة للمحاسبة على تصرفاته.
5. التوجيه النفسي الفردي
يجب توفير فرص للقادة لإجراء جلسات توجيه نفسي فردية، يمكن أن تساعد في كشف أبعاد المشكلة النفسية والعمل على تعديل السلوكيات السلبية.

الخلاصة
إن القيادة الثانية التي تعتمد على استعراض السلطة واختلاق المشكلات ليست مجرد سلوكيات إدارية غير فعالة، بل يمكن أن تكون مؤشراً لاضطراب نفسي يحتاج إلى معالجة. وبالنظر إلى هذه السلوكيات من منظور نفسي، يمكننا فهم جذورها بشكل أعمق، مما يساعد على اتخاذ خطوات فعالة للتعامل معها وتحسين بيئة العمل. لذا، لا يجب أن يقتصر التدخل على الإجراءات الإدارية فقط، بل يجب أن يكون هناك فحص نفسي مستمر لضمان قيادة صحية ومستدامة.

المراجع
1. Kernberg, O. F. (1998). Severe Personality Disorders: Psychotherapeutic Strategies. Yale University Press.
2. Linehan, M. M. (1993). Cognitive-Behavioral Treatment of Borderline Personality Disorder. Guilford Press.
3. Northouse, P. G. (2021). Leadership: Theory and Practice (9th ed.). SAGE Publications.
٤. دراكر، بيتر. (2005). الإدارة الفعّالة. ترجمة مؤسسة الفكر العربي.
٥. كوتلر، فيليب. (2016). القيادة التربوية: استراتيجيات تغيير التعليم. دار الفكر.

زر الذهاب إلى الأعلى