(إذا كثر الخبث)     

بقلم: د. فاطمة رجب الباجوري

كلما قرأت سورة الملك ووصلت إلى ختامها، حيث يقول الله تعالى: {قُلْ أرَأَيْتُمْ إنْ أصبَحَ ‌مَاؤُكُمْ ‌غَوْرَاً فَمَنْ يَأتِيَكُمْ بمَاءٍ مَعِينٍ}. قلت والله يا رب إن أصبح ماؤنا ذاهبا في الأرض، فلن نجد أبدا من يأتينا بماء يجري في العيون ونراه بأعنيننا، وننتفع به ــ ونطمئن بوجود سبب بقائنا على هذه الحياة ــ غيرك يا الله.

وكنت دائما ما أقول لنفسي، هذه نعمة واحدة من نعم الحياة، لا نشعر بها لوجودها دون جهد منا؛ لذلك حذر الله الكافرين، وذكرَّهم بنعمة واحدة من نعمه التي لا تعد ولا تحصى، فقال لنبيه قل لهم يا محمد: {أرَأَيْتُمْ إنْ أصبَحَ ‌مَاؤُكُمْ ‌غَوْرَاً فَمَنْ يَأتِيَكُمْ بمَاءٍ مَعِينٍ}.

ثم إنني كنت أقرأ سورة (المؤمنون) ووصلت إلى قول الله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ‌ذهاب ‌به ‌لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19)}

وتأملت الآيات وكأنني أقرأها لأول مرة في حياتي، فالمقام مقام ذكر لنعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم أن الله تعالى: أنزل لنا من السماء ماء بقدر، حتى لا يهلكنا، وحتى يتيسر لنا الانتفاع به؛ فأنشأ لنا بسبب هذا الماء الجنات التي نأكل منها الفواكه المتنوعة، لكن تخلل هذه المنة العظيمة جملة اعتراضية جاءت على سبيل التهديد والتنبيه على إدراك نعم الله تعالى، وعدم كفرها، وهي قول الله تعالى: {وإنا على ‌ذهاب ‌به ‌لقادرون}.

 فإن كان التهديد الأول في سورة (الملك) بين قدرة الله تعالى على جعل الماء غورا لا نستطيع الوصول إليه رغم وجوده، فهذا التهديد أقوى وأشد؛ ليعتبر به من كان له قلب واع أو ألقى السمع وهو شهيد، إنه تهديد ببيان قدرة الله تعالى على الذهاب بهذا الماء، وعدم وجوده نهائيا، فلا تجد ماء تشربه، ولا ماء تسقي به زرعك، ولا ماء تعيش عليه الحيوانات التي ما خلقها الله إلا لمنفعتك أيها الإنسان.

فاتق الله تعالى في نفسك، ولا تبارز ربك بالمعاصي، فقد كثرت الخطايا، وأصبحت حدود الله تُنتهك علنا، وأصبح المسلمون ـ إلا من رحم ربي ـ يجاهرون بالمعاصي حتى ماتت قلوبهم، ووالله ثم والله كلما رأيت الأخبار التي تحيط بنا على وسائل التواصل خشيت أن يُنزل الله علينا عقابة، وأن يحق علينا غضبه، فيدمرنا الله تعالى بعذاب من عنده.

فعليكم بالاستغفار الدائم امتثالا لقول الله تعالى: {‌وَما ‌كانَ ‌اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ‌وَما ‌كانَ ‌اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ( الأنفال 33)، ولا تغتر بصلاح نفسك، إن كنت من الصالحين، وتذكر دائما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم – حذر من كثرة الخبث، وظهوره في زمانه، فما بالكم مما وصلنا إليه في هذا الزمان ، والحديث رواه البخاري، عن أم المؤمنين زينب بنت جحش : “أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل عليها فزعا يقول: لا إله إلا الله، ‌ويل ‌للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث».

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى