الدكتور ناصر الجندي يكتب : “رمضان”… حين يصوم الجسد وتستيقظ الروح
بقلم الدكتور ناصر الجندي
يأتي رمضان كل عام، لكنه لا يأتي أبدًا كما كان من قبل. يدخل بهدوء، كضيف يعرف طريقه إلى القلب دون أن يُطرق الباب. فجأة، يتغير كل شيء… يصبح الوقت أثمن، واللحظة أعمق، والنفس أقرب إلى نفسها.
رمضان ليس مجرد شهر نصوم فيه عن الطعام، بل هو شهر نصوم فيه عن كل ما يُثقل أرواحنا. نصوم عن الضجيج، عن القسوة، عن الغفلة. نصوم لنعود إلى حقيقتنا الأولى… أن نكون بشرًا يعرفون معنى الرحمة.
في هذا الشهر، يصبح الجوع رسالة، وليس حرمانًا. يذكّرنا بأننا لسنا مخلوقين لنأكل فقط، بل لنشعر. حين يجوع الجسد، تشبع الروح. وحين يقل الكلام، يعلو صوت القلب.
وقد جعله الله شهر القرآن، فقال تعالى في القرآن الكريم:
“شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن هدىً للناس وبيّنات من الهدى والفرقان”
كأن رمضان هو الزمن الذي نعود فيه إلى الدليل، إلى النور الذي يخرجنا من ضيق الحياة إلى سعتها.
لكن جمال رمضان لا يكمن فقط في العبادة، بل في التوازن العجيب بين العبادة والعمل. لم يكن رمضان في حياة النبي محمد شهر توقف، بل كان شهر حركة. فيه وقعت أعظم الانتصارات، وفيه بُنيت أعظم المعاني. كان الصحابة يعملون، ويجاهدون، ويبنون، وهم صائمون. لأن الصيام لم يكن ضعفًا، بل قوة من نوع آخر… قوة السيطرة على النفس.

رمضان يعلمنا أن العمل عبادة، وأن الإتقان ذكر، وأن الصدق صلاة مستمرة. ليس المطلوب أن نهرب من الحياة، بل أن نعيشها بروح مختلفة. أن نذهب إلى أعمالنا بقلوب صائمة، لا عن الطعام فقط، بل عن الظلم والتقصير والكسل.
وفي ليالي رمضان، يحدث شيء لا يمكن تفسيره بالكلمات. السكون يصبح أعمق، والدعاء يصبح أصدق، والدموع تصبح أقرب. في المساجد، وفي البيوت، وفي الطرقات… يشعر الإنسان أنه ليس وحده. أن السماء أقرب مما كان يظن.
في مكة المكرمة، وفي كل بقاع الأرض، تتجه ملايين القلوب في وقت واحد نحو الله. اختلاف اللغات والألوان يذوب، ويبقى معنى واحد: نحن جميعًا عبيد نبحث عن الرحمة.
وربما أعظم ما في رمضان أنه يمنحنا فرصة جديدة. فرصة لنبدأ من جديد، دون أن يسألنا عما فات. كأن الله يقول لنا: الباب ما زال مفتوحًا… فقط عد.
رمضان ليس ثلاثين يومًا في التقويم، بل هو حالة. من عاشها بحق، خرج منها إنسانًا آخر. أخف قلبًا، أصفى روحًا، وأقرب إلى الله.
فطوبى لمن لم يصم بجسده فقط، بل صام بقلبه… لأن رمضان الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الشهر، بل يبدأ أثره في النفس إلى الأبد.