حكم قتل الخائن في الإسلام

بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، القائل في كتابه العزيز ” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون” وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين حق قدره ومقداره العظيم، أما بعد لقد حذرنا الإسلام من خيانة الأمانة، وأما عن قتل الخائن فلا يجوز برغم خيانته، فإن قتل النفس لا يباح إلا بإحدى ثلاث، بينها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ” لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة” متفق عليه، ثم على تقدير إستحقاق المرء للقتل.

فإن إقامة الحد لا توكل إلى آحاد الناس، بل ذلك إلى السلطان أو نائبه، كما نص عليه أهل العلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء” متفق عليه، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ” لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بلح” رواه أبو داود، ومعنى معنقا أي خفيف الظهر سريع السير، ومعنى بلح أي أعيا وإنقطع، وأما حكم الحصول على شيء من المال من هذا الخائن، فلا بأس بذلك ولا حرج فيه، ولو قهرا أو دون علمه، ما لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم، بشرط أن لا تزيد على حقك، وهذه المسألة تعرف بمسألة الظفر، وإن الأمانة مع قيامها على أساس فطري تتفق عليه جميع الأمم في الماضي والحاضر، والأمانة مع موافقتها للعقول السليمة، وتقدير هذه العقول لها، وإجلال هذه العقول السليمة للأمناء.

إلا أن دور الفطرة والعقل يظل قاصرا عن الوصول إلى الغاية المرادة من القيام بالأمانة، ولا يكتمل أمرهما إلا بالشرع المطهر، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ” إن بني آدم محتاجون إلى شرع يكمّل فطرهم” إذن هذه الأمانة رغم أنها فطرة في الإنسان، وهي موافقة للعقول السليمة، إلا أنه لا يستغنى عن الشرع المطهر حتى تكمل هذه الفطرة، ويعرف قدر الأمانة وضدها الخيانة، إذن الشرع ثابت لا يمكن تطبيق الأمانة في السر والعلن، إلا على أساس ثابت من الدين الصحيح الذي لم يخالطه لبس أو تحريف، والإسلام هو الدين الصحيح الموافق للفطرة السليمة، والعقل الصحيح السالم من التحريف، فإذا آمن به الإنسان وإنقاد له كان العمل بموجب تشريعاتِه أمانة، حدد قانون العقوبات فى الباب الخاص بالنصب.

وخيانة الأمانة عقوبة للجريمتين، حيث نص على الحبس لكل من يقوم بالإحتيال والنصب على الآخرين، كما نص على عقوبة السجن من ثلاث إلى سبع سنوات لجريمة خيانة الأمانة، فإن العبد إذا وثق بربه، إنقاد له في كل أموره، وفوض الأمر إليه سبحانه في جميع شؤونه ممتثلا قوله تعالى ” وأفوض أمري إلي الله إن الله بصير بالعباد ” فيا من وثقت بربك، وفوضت إليه أمرك، عليك بحسن الظن به سبحانه، فقد ورد في الحديث أن واثلة بن الأسقع دخل على يزيد بن الأسود يريد عيادته، فقال له كيف ظنك بالله؟ قال ظني بالله والله حسن، قال فأبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ” قال الله جل وعلا أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرا، وإن ظن شرا ” رواه الحاكم، فظنّوا بالله تعالى الظن الحسن، وثقوا به سبحانه في المنن والمحن.

زر الذهاب إلى الأعلى