قلعة القصير – البحر الأحمر 979 هــ / 1571 م

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 8 نوفمبر 2019 - 6:35 مساءً
قلعة القصير – البحر الأحمر 979 هــ / 1571 م

بقلم : طه حسين الجوهرى

من هنا يطل التاريخ لقد شعرت بدهشة كبيرة في لقائى الأول بها لاستمرار هذه القلعة التاريخية في الوجود، رغم عوادي الزمن . وشعرت بالروح الخفية السارية وسطها. لا تزال تحافظ على بريقها وجمالها. شاهدة على أحداث تاريخية هامة. تقبع وسط القصير، وتطل على العالم عبر الواجهة الغربية . شاهدة على فترة زاهرة من تاريخ شعب دافع عن نفسه بالتحصن وراء قلعة كانت ملاذًا ضد الغزاة. تعد من البنايات القديمة الشاهدة على الوجه العسكري للقصير، وامتدادا للروح الوطنية والتشبث بالأرض ضد كل المطامع الأجنبية. إنها معلمة تاريخية يجمع الباحثون أنه قد تم بناؤها سنة 1571 حينما تم اختيار القصير ميناء تجاريًّا رئيسيًّا ، وحصنًا حصينًا ضد الحروب وهجمات العربان و قطاع الطرق . تتمتع ببنية جيدة وجدران حجرية سميكة تقي من الهجمات. إن تجربة زيارة القلعة تبعث على هيبة المكان وندرته على مستوى استحضار المعنى من وجود بناية لها من التاريخ ما يشهد على أننا في ثغر من الثغور التى لها دور عظيم في تاريخ مصر الحربي والعسكري. تعد من البنايات المميزة بالقصير من خلال جمالية أسوارها السميكة، وأبراجها الشامخة وقصرها الفسيح. وتتضمن هذه المعلمة الفريدة الآن متحفًا جميلًا يفتح أبوابه أمام الزائرين من السياح العرب والأجانب وتعتبر أول حصن عرفته مدينة القصير. كانت بمثابة الحصن الذي كان يحمي القصير عبر دروب التاريخ. ولقد ذهب الكثير إلى تسميتها بالقلعة العثمانية ، منهم من زعم أنه أنشأت في العصرالعثماني أسوة بغيرها من القلاع التي شيدت لحماية حدود الدولة العثمانية ومصر منذ أن كانت ولاية تابعة لها، منذ العام1517م عقب معركة الريدانية وكسر دولة المماليك في مصر. كانت صورتها في أول لقاء بيني وبينها أطلالا متهدمة،تهدمت أركانها بفعل عوامل الزمن ،تسكنها الحيوانات والأشباح ، ويلعب الصبية كرة القدم داخل فنائها ، كانت تعاني من الإهمال والنسيان حتى بداية التسعينيات .اهتمت الدولة بترميمها وإعادة بناء سورها ، وجعلها مزارًا سياحيًّا فريدًا في المدينة. بناء القلعة ذهب كثير من الباحثين إلى أن أصول ذلك الحصن تعود إلى الفترة الفرعونية ، ومن ثم الرومانية . كما نسب البعض إنشاء هذه القلعة إلى السلطان الغوري ، حيث حاول البرتغاليون غزو المواني المصرية المطلة على البحر الأحمر في عصره ، مما دفعه لأن ينشئ هذا الحصن ليحمي به حدود مصر الشرقية منهم . ومنهم من قال أنها بنيت في الفترة مابين حكم السلطان أحمد الثالث 1710 م وحكم السلطان سليم الثالث 1797م ، مرجعين ذلك لتشابه بنائها مع مباني هذه الفترة. ويحسم القول الرحالة أوليا جلبي في كتابة ( الرحلة إلى السودان وبلاد الحبش) عن هذه القلعة فيقول: “”إنها على البحر الأحمر وهي بناء صغير وحصين ، ومحيطها خمسمائة خطوة ، وأول من بناها محمد بن أبي بكر ، وبعده الظاهر بيبرس والسلطان قايتباي وقد عمرها ، وهي قائمة على صخرة وليس لها خندق وبابها يتجه نحو الغرب ولها رئيس ومائتان من الجند وعتاد سبعة عشر مدفعًا صغيرًا وجامع وعشرون غرفة ومخزن للقمح وغرف للضيافة ، ولا وجود فيها لحمّام وليس فيها خان ولا سوق ، ولا أثر فيها لحديقة ، إنها أرض جزيرة ولها مرفأ عظيم ومرفأها يأمن الرياح جميعًا ، وفي الجهة المقابلة ميناء ينبع ، والوصول منها إلى المدينة في يومين وميناء مكة توجد على مسيرة ثلاثمائة وستين ميلا ومن جدة إلى مكة ثماني أو تسع ساعات ، وتأتي السفن من الحجار على الدوام إلى القصير ، وهذه السفن تبحث عن الغلال والعبابدة يبيعون الماء بالقطرة الواحدة وعندما قدمت هذه القلعة شكى لي أهلها من شدة الظمأ ، وبالقرب من القلعة دليل على وجود الماء ، ثم ركبنا جيادنا وقد بلغنا مكانًا يسمى جيرك وحقيقة الأمر أنه مكان فيه ماء وعرضت شكوتهم على إبراهيم باشا وزير مصر وأوصلت أعيان القلعة إلى إبراهيم باشا فرصد عشرة أكياس ، ومع أغا موثوق به فأمر هذا الأغا المعتمد عليه بحفر بئر ، وأقام عنده مصطبة وقصرًا فنبع منها ماء عذب ، ولله الحمد أن هذا تم بمسعى من هذا الرجل ” ومن خلال ما كتبه أوليا جلبي يتضح أن وجود القلعة ، أو ما يسميه أهل القصير ( الطابية ) كان منذ بداية دخول المسلمين لمصر ، وأنها بنيت في عهد خلافة علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، وكان محمد ابن أبي بكر رضي الله عنه واليًّا على مصر.وما يدفعني أن أرجح هذا القول أنه من الصعب أن يترك ثغر بأهمية مدينة القصير كل هذه القرون دون حماية . والراجع عندي أنها تعرضت للهدم والبناء أكثر من مرة بفعل تلقبات الزمان . ويرجع الأستاذ همام ، سبب بناء القلعة في العصر العثمانى هو اعتداء العربان على قوافل الحجاج والتجار وأهل القصير، مما اضطر أهل القصير إلى هجرتها وتركها خراب ، وأدى إلى تعطيل العمل في الميناء، وسبب ذلك تعطيل إرسال المؤن إلى الحجاز لأهالي مكة والمدينة ، مما دفع بالوالي العثماني على مصر “سنان باشا” أن يرسل خطاباً إلى السلطان “سليم الثاني” يقترح عليه بناء قلعة بالقصير، لحماية قوافل الحجاج والتجارة والميناء وسكان المدينة، وأصدر السلطان سليم الثاني أمرًا بإنشاء قلعة القصير لتفي بتلك الأغراض.

رابط مختصر